Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

تطور المقاومة الفلسطينية خلال الأعوام من 1987 ـ 2004 / الجزء الأول
تغريد كشك   Saturday 19-01 -2008

تطور المقاومة الفلسطينية خلال الأعوام من 1987 ـ 2004 / الجزء الأول لم يعد توسل فلسطين أو تسولها يعيدها إلى أصحابها، كما لم تجد عشرات القرارات الدولية القاضية بإعادة الشعب الفلسطيني إلى بلاده أو بإعادة بلاده إليه، ما أوصل الشعب الفلسطيني إلى الإيمان بضرورة الاستعانة بالكفاح المسلح من أجل تحقيق طموحاته الوطنية، فقد خاض الشعب الفلسطيني قبل انطلاق حركة المقاومة المعاصرة، ثلاث تجارب مسلحة ذات أهمية خاصة هي: ثورة 1936-1939، وحرب 1948، والعمليات الفدائية في النصف الأول من خمسينات القرن العشرين، ما أورث حركة المقاومة المعاصرة دروساً وسمات من كل تجربة سابقة، وهو ما أثر على اختيارها أساليبها، ولقد تضافرت عوامل عدة، فأخرجت "منظمة التحرير الفلسطينية " إلى حيِّز الوجود وعمدت قيادة هذه المنظمة من فورها إلى تأسيس "جيش التحرير الفلسطيني"، ضمن الأعمدة الثلاثة الرئيسية، وذراعاً مسلحاً لهذه المنظمة.

دعمت الأنظمة العربية منظمة التحرير الفلسطينية في حزيران 1964م بزعامة أحمد الشقيري، ورغم أن هدف بعض هذه الأنظمة كان وضع المقاومة الفلسطينية تحت الإشراف والسيطرة بعد شعورهم بما كان يحدث في الساحة من حركات سرية وأنشطة بعيدة عن التحكم الرسمي، ورغم ذلك فإن منظمة التحرير الفلسطينية وجدت تأييداً شعبياً باعتبارها ممثلاً للكيان الفلسطيني والهوية الوطنية التي جرى تغييبها، هذا مع تحفظ عدد من الجهات ومنها فتح على خلفيات إنشائها، وعدم قدرتها على القيام بواجباتها، وقد تم تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني الذي أقرّ إنشاء المنظمة وميثاقها، كما تقرر تشكيل جيش التحرير الفلسطيني ليتبع منظمة التحرير الفلسطينية وتم القيام بعدد من الجهود التعبوية والإعلامية في تلك الفترة، أي أن المنظمات الفلسطينية المسلحة كانت قد نشأت وسط المعطيات المادية والسياسية، والتي شكلت الأساس التاريخي للكفاح الفلسطيني المسلح في إطارين رئيسين، هما: حركة المقاومة، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وقد تألفت حركة المقاومة من ثلاث مجموعات رئيسية هي حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فــتح"، حركة القوميين العرب وجبهة تحرير فلسطين.

وفتح القرار العربي باعتماد منظمة التحرير الفلسطينية خلال مؤتمر القمة العربي الثاني المنعقد بالإسكندرية في أيلول 1964 أمام أحمد الشقيري مندوب فلسطين في جامعة الدول العربية عقد مجلس وطني فلسطيني مكون من 388 عضواً في القدس في 28 أيار 1964، وقرر ضمن قراراته تأسيس "جيش التحرير الفلسطيني" الذي كان ضمن أعمدة المنظمة المتمثلة في الميثاق القومي، النظام الأساسي و المجلس الوطني إضافة إلى مركز الأبحاث والصندوق القومي الفلسطيني واللجنة التنفيذية، وقد أنشئ جيش التحرير الفلسطيني ليكون قوة نظامية وفدائية، في آن واحد، وتنوعت النظرة إلى وظيفته حسب بلد منشأ كل وحدة من وحداته، فكانت "قوات عين جالوت" مسئولة عن الدفاع عن قطاع غزة، مع القوات المصرية، و"قوات القادسية" في العراق، وتدريب "قوات حطين" في سوريا، وسرعان ما استجد قدر من التنافس له ما يبرره، بين منظمة التحرير الفلسطينية وجيش التحرير الفلسطيني من جهة، وبين المنظمات الفدائية من جهة أخرى.

كانت الفترة بين 1967م إلى 1970م فترة تشكيل وتميز منظمة التحرير الفلسطينية و هي الفترة الذهبية للعمل الفدائي الفلسطيني، فكانت معركة الكرامة في 21 آذار 1968م إنجازاً معنوياً ومادياً كبيراً لحركة فتح بعد أن تم تكبيد إسرائيل خسائر كبيرة، فاندفع الآلاف للتطوع وخلال 48 ساعة كان حوالي خمسة آلاف قد طلبوا الانضمام لفتح فقبلت منهم 900 فقط حسب إمكاناتها ومعاييرها، وتطورت العمليات الفدائية من 12 عملية شهرياً 1967م إلى 52 عملية شهرياً سنة 1968م ثم إلى 199 عملية شهرياً سنة 1969م وإلى 279 عملية شهرياً في الأشهر الأولى من سنة 1970م. ومع أن معدل العمليات الفدائية ضد إسرائيل قد انخفض في السبعينيات من القرن الماضي، وتراجع إلى حدود متواضعة جداً في الثمانينيات، غير أن هناك عدداً من العمليات النوعية التي تجدر الإشارة إليها مثل عملية "سافوي" التي قامت بها فتح في تل أبيب في 6 آذار 1975م وأدت إلى مقتل وجرح خمسين جندياً وخمسين مدنياً، وعملية "كمال عدوان" بقيادة دلال المغربي في آذار 1978م مما أدى لمقتل 37 وجرح 82 من الإسرائيليين. كما قامت منظمات فدائية أخرى بعمليات مثل اختطاف الطائرات، والتي برزت فيها الجبهة الشعبية خصوصاً في 1970م، والهجوم على مطار اللد في 30 أيار 1972م مما أدى إلى مقتل 31 وجرح 80 آخرين، وعملية "الخالصة" التي نفذتها الجبهة الشعبية القيادة العامة في 11 نيسان 1974م، وعملية "الطائرة الشراعية" التي نفذتها الجبهة نفسها في تشرين الثاني 1987م، وغيرها.

أدى الإنهاك العسكري بعد خروج القوات الفلسطينية من لبنان عام 1982 إلى تغييرات سياسية جذرية داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وكسب أنصار تيار الواقعية السياسية دفعات جديدة باتجاه تبني حلول سلمية، والحقيقة أن المنظمة بدأت تغيّر خطابها السياسي منذ فترة مبكرة، خصوصاً منذ تبنيها برنامج النقاط العشر سنة 1974م، وكثرة الحديث عن الحلول المرحلية الخ.. وكانت موافقة المنظمة على "مشروع فاس" 1983م علامة فارقة لما يتضمنه من اعتراف بحق دول المنطقة في العيش بسلام مع إسرائيل.

وفي أواخر السبعينيات كانت الظاهرة الإسلامية قد قويت في الأراضي التي احتُلت سنة 1948م، وكُشف في 1980م تنظيم (أسرة الجهاد) بقيادة فريد أبو مخ وعبد الله نمر درويش، واعتُقل حوالي ستين عضواً، وكان قد قام تنظيم الجهاد الإسلامي بعشرات العمليات في الأرض المحتلة، وفي قطاع غزة برز دور المجمع الإسلامي بقيادة الشيخ أحمد ياسين، وفي سنة 1983م قبض على الشيخ أحمد ياسين وعدد من رفاقه بعد اكتشاف مخزن أسلحة في أحد المساجد، بتهمة إنشاء تنظيم معاد لإسرائيل. أما حركة الجهاد الإسلامي فكان أبناؤها المؤسسون أعضاء في جماعة الإخوان حيث تكونت نواتهم الأساسية في أواخر السبعينيات من الطلبة الفلسطينيين الدارسين في مصر برئاسة د. فتحي الشقاقي، وبدأوا تشكيلاتهم في فلسطين منذ 1980م، ودعوا إلى (الإسلام منطلقاً، والجهاد وسيلةً، وفلسطين هدفاً للتحرير) وكان من أبرز عملياتهم عملية" باب المغاربة" التي أدت إلى إيقاع حوالي ثمانين إصابة في صفوف الجيش الإسرائيلي في 16 تشرين الأول 1986م.

وواجهت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية سنوات صعبة ً خلال الأعوام ما بين 1983م و1987م انعكست على شكل تراجع في الأداء النضالي المسلح، وانتكاسات على المستوى السياسي، في الوقت الذي اختلف فيه الوضع بالنسبة للتيار الإسلامي الذي كانت مرحلة 1967م إلى 1987م بالنسبة له مرحلة تصاعد تدريجي في شعبيته، حيث بدأ الاتجاه الإسلامي الفلسطيني يحقق نجاحات واسعة في الداخل والخارج مع نهاية السبعينيات من القرن الماضي، فعلى الصعيد الطلابي أخذ يسيطر على عدد من الاتحادات الطلابية وتوسعت دائرة نفوذه في النقابات المهنية، وأخذ الرصيد الشعبي العام في الاتساع على حساب الاتجاهات الأخرى، ولكن هذا التوسع كان في الميدان الشعبي والاجتماعي والخيري والتربوي، بينما بقي العمل العسكري والسياسي منعدماً أو منحسراً حتى أواخر السبعينيات، ويبدو أن قيادات التيار الإسلامي عمدت إلى بناء قاعدة صلبة لعمل طويل المدى خوفا من تكرار تجارب غير ناضجة لتنظيمات مسلحة أخرى، فقد كانت هناك مشاركة محدودة للإخوان المسلمين في (معسكرات الشيوخ) في الأردن 1968م إلى 1970م حيث تم تدريب حوالي (300) رجل توزعوا على سبع قواعد فدائية، وعملوا تحت مظلة فتح؛ وعلى محدودية إمكاناتهم، فقد قدّموا نماذجا مشرفة، فخاضوا عمليات قوية ناجحة مثل "الحزام الأخضر" 31 آب 1969م "ودير ياسين" 14 أيلول 1969م "وسيد قطب" 28 آب 1970 واستشهد منهم حوالي 13 رجلاً.

1. انتفاضة الثمانينيات الكبرى

زادت قناعة المواطن الفلسطيني باستحالة التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية دون تحرك شعبي داخلي، خاصة في ظل أجواء من انحسار الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية واكتفاء معظم الدول العربية بتسجيل مواقف خطابية إعلامية دون أن يتعدى ذلك إلى تحرك عملي تشعر معه إسرائيل بالضغط عليها، هذا إضافة إلى شعور منظمة التحرير الفلسطينية بالعزلة الدولية منذ أن غادرت بيروت عام 1982 متوجهة إلى تونس، وقد أدى خروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان وتشتتهم في أنحاء مختلفة من الوطن العربي لأن يتغلب البحث عن حل سياسي للقضية الفلسطينية على الحل العسكري في نهج المنظمة الرسمي، وقد أكدّ الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والذي كان في ذلك الوقت رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس اللجنة المركزية لفتح أن فشل إسرائيل في السيطرة على لبنان بعد غزو عام 1982 أقنع الفلسطينيين بأن هناك أملا في التحرير في المستقبل. كل ذلك مع ازدياد الأعمال الإجرامية للقوات الإسرائيلية من قصف للقرى والمخيمات في الجنوب اللبناني وهدم المنازل والاعتقالات العشوائية والعقاب الجماعي لأهالي الضفة الغربية وقطاع غزة، أدى إلى أن يجد الغضب الجماهيري متنفساً له في صورة انتفاضة شعبية عمّت كل المدن الفلسطينية.

استمرت الانتفاضة حوالي ثلاث سنوات، أظهرت خلالها قدرة عالية على تنظيم وزج قدرات فئات واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني إضافة إلى بطولات فردية، لكن في المقابل كانت القوات الإسرائيلية ترد بعنف، وابتكرت سياسة تهشيم العظام لتسبب إعاقة دائمة للشباب الفلسطينيين المشاركين في الانتفاضة وتحمست الشعوب العربية لما يحدث في الأراضي المحتلة، وتحسن الموقف السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولكن جاءت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد والتي تعدى تأثيرها السلبي القضية الفلسطينية ليمتد إلى النظام العربي بأكمله، وهي غزو العراق للكويت وما أعقبه من حشد الولايات المتحدة الأمريكية الرأي العام الدولي ضد العراق، وقيام قوات التحالف الدولي بشن غارات قاسية على الجيش العراقي والمدن العراقية أجبرت في نهايتها العراق على الانسحاب من الكويت.

أما تأثير ذلك على الانتفاضة فظهر في سحب حرب الخليج الثانية البساط من تحت أقدام الانتفاضة، وتغييرها لأولويات الاهتمام العربي والدولي، فلم تعد القضية الفلسطينية تأخذ من الاهتمام ما كانت تحصل عليه قبل الغزو العراقي. وكان التأثير الثاني نابعاً من الموقف السياسي الذي اتخذته بعض الدول الخليجية بالاستغناء عن معظم العاملين الفلسطينيين، رداً على الموقف السياسي الذي اتخذته منظمة التحرير والذي فسرته الدول الخليجية بأنه مؤيد للعراق، وقد حرم ذلك الإبعاد الفلسطينيين في الداخل من رافد اقتصادي هام.

‌أ. أهداف ومراحل الانتفاضة الأولى

يمكن القول أن مخطط الانتفاضة الأولى في الثمانينيات قد جرى الإعداد له وبشكل غير مباشر منذ إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982 وبعد التراجع الاقتصادي في الدول النفطية العربية والذي كان له تأثير ولو محدود من الناحية الاقتصادية، فبعد عام من الحرب الإيرانية العراقية حصل ركود اقتصادي في الدول النفطية وقد كان لهذا الوضع تأثير على المناطق الفلسطينية حيث انخفض الطلب على العمال الفلسطينيين المتوجهين للعمل في دول الخليج وأدى ذلك إلى تقليص عدد العاملين في دول الخليج وبالتالي شحّت الأموال المرسلة إلى الأهل وهكذا بدأت المشكلة الاقتصادية قبل الانتفاضة ووجدت البطالة الهامشية التي انضمت إلى الانتفاضة فيما بعد.

وقد ساد الاعتقاد في إسرائيل في الأشهر الأولى للانتفاضة بأن ما يحدث عمل غير منظم، وبدون قيادة، وأنه ظاهرة محلية جدا يقف وراءها خمسة أشخاص يكتبون البيان لا أكثر، ولكن بعد مرور عدة أشهر بدأت التقييمات تتغير إذ لم تفرز الانتفاضة قيادات، ولكن مع مرور الوقت تبلورت قيادة عليا في الضفة الغربية مؤيدة لمنظمة التحرير الفلسطينية بشكل تام، أي أن تأثير المنظمة في المناطق كان مركزيا.

بدأت المرحلة الأولى للانتفاضة في 8 كانون أول 1987 واستهدفت إنجاز ثلاثة أهداف، كان أولها تجنيد الشعب الفلسطيني بكل فئاته في كل المواقع وفي كل الأوقات، لخلق مقاومة مدنية جماهيرية ضد سلطات الاحتلال في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وذلك بأقصى قدر من الكثافة والثقل من أجل فرض قضية الشعب الفلسطيني على أولويات جدول الاهتمامات العالمية. أما الهدف الثاني فقد تمثل في بناء الحد الأدنى من القواعد الأساسية التي تمثلها اللجان الإقليمية والفرعية؛ لإقامة سلطة وطنية تمثل قيادة موحدة تكون موازية ومتحدية لسلطة الاحتلال وتعمل على تصاعد الحركة على مدى زمني طويل في إطار برنامج وسياسة منظمة التحرير الفلسطينية.

أما في المراحل التالية للانتفاضة فقد ظهر هدف جديد تنبه له الشعب المقاوم وهو تكبيد الاحتلال أكبر قدر ممكن من الخسائر المادية والسياسية والاقتصادية إلى الحد الذي تصبح معه تكلفة الاحتلال أكبر من القدرة على الاحتمال والقمع من جانب إسرائيل.

وقد كان حصاد المرحلة الأولى لأحداث الانتفاضة أن برزت القضية الفلسطينية على سطح الأحداث العالمية، وأصبحت حديث وتقارير المراقبين السياسيين وأجهزة الإعلام، أما عن هدفها الثاني؛ فقد اعترف المستشار الإسرائيلي للشئون العربية في بلدية القدس، بأن المدينة أصبحت في قبضة سلطة غير مرئية.

تلازم إنشاء حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع بداية الانتفاضةً، وقد عرّفت حركة حماس نفسها بأنها جناح للإخوان المسلمين وامتداد لهم، وذكرت في ميثاقها أنها (تعتبر الإسلام منهجها، منه تستمد أفكارها ومفاهيمها وتصوراتها، وإليه تحتكم ومنه تسترشد خطاها)، وهدفت إلى تحرير فلسطين وإقامة دولة الإسلام على أرضها، ودعت إلى تربية متكاملة للأجيال لتحقيق الغايات المرجوة، وقد شكّل ظهور حماس مع اندلاع الانتفاضة تحدّياً لمنظمة التحرير ومكانتها وصلاحيتها الاستثنائية الوطنية، وعلى خلفية هذا الأمر فربما يكون هناك صحة في إدّعاء رجال الحركة الإسلامية أن إنشاء القيادة الوطنية الموحدة في كانون ثاني 1988 كان ردّاً من المعسكر الوطني العلماني كتحدّ ٍلظهور حركة حماس.

وفي صيف 1988 أعطت الانتفاضة إنجازات حقيقية لمنظمة التحرير من خلال مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في الجزائر والذي خصّص دعماً مالياً لمنظمة التحرير لتمويل اقتصاد الانتفاضة، وفي تموز 1988 أعلن الملك حسين عن فكّ الارتباط مع الضفة الغربية وهكذا فقد مهّدت الطريق أمام نشر المقترح السياسي لشخصيات فلسطينية من القدس والضفة الغربية برئاسة فيصل الحسيني الذين طالبوا بالإعلان عن دولة فلسطينية مستقلة وإقامة حكومة منفى، في حين أن القيادة الوطنية الموحّدة أعلنت عن مساندتها الكاملة لخطة فيصل الحسيني فقد أدانت حركة حماس هذه الخطة ووصفتها بأنها "طعنة في ظهر أطفال الحجارة "، إضافة إلى أن حماس قد أعربت عن احتجاجها على إعلان الملك حسين حول ما يتعلّق بفك الارتباط الإداري للأردن مع الضفة الغربية والتي هدّدت وحدة الحركة الإسلامية على كلا الضفتين.

وصرّح الشيخ أحمد ياسين بصورة علنية ضد الإعلان عن دولة فلسطينية وادعى أن هذه الدولة ستؤدّي إلى انقسام الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، لكن الردّ الأساسي لحركة حماس كان نصاً مغايراً فكرياً وسياسياً للاقتراح السياسي لمنظمة التحرير بصورة "ميثاق لحركة المقاومة الإسلامية".

أما المراحل اللاحقة للانتفاضة فقد ظلت مفتوحة تتجه إلى تنظيم البيت الفلسطيني وبناء عدد من الركائز التي تمهد الطريق لإنهاء الاحتلال وقيام سلطة الدولة وتهيئة المناخ العربي والدولي لذلك، خاصة وأن الانتفاضة أكسبت القيادات التنظيمية داخل الأرض المحتلة وضعية جديدة، إذ حولتها من عناصر إسناد كانت مهمتها في الغالب تنحصر في تنفيذ القرارات الصادرة عن مركز الثقل في الخارج إلى قيادات ميدانية مركزية تتحمل مسؤولية استمرار المواجهة خاصة مع اكتساب القيادات التنظيمية في الداخل خبرة نضالية وتنظيمية كبيرة ونضجا سياسيا عاليا. وعلى طريق تحقيق هذه الأسس، كان البناء التنظيمي للانتفاضة الذي قام على شبكة واسعة من اللجان الشعبية المنبثقة عن القيادة الموحدة للانتفاضة والتي كانت تدير العمل اليومي في الأراضي المحتلة وفقًا للمهام التي تحددها قيادة الانتفاضة عبر نداءاتها المتتالية، وقد نشرت هذه اللجان في بعض المخيمات والقرى والمدن وفي مواقع العمل والمؤسسات التعليمية والدينية والاجتماعية وقد كانت تشمل نوعين رئيسيين:

- الفرق الضاربة التي كانت تقود عمليات الاشتباك ضد قوات الاحتلال، والتي كان سلاحها الحجارة أو الزجاجات الحارقة أو السكاكين والآلات الحادة كأدوات لهذه المواجهة.
- اللجان النوعية التي تعمل لتلبية الحاجات الإنسانية التي تفرضها استمرارية الانتفاضة؛ من أعمال إمداد وتموين وإغاثة، ولجان للتجارة والإعلام والاستطلاع والحراسة، ولجان العمل التطوعي، وما إلى ذلك.

وقد نجحت هذه اللجان في توفير العوامل الحيوية لاستمرار الانتفاضة واستيعاب طاقات الكوادر المستعدة للنضال مع تربية كوادر جديدة من الصبية الذين شاركوا بفاعلية فيها؛ الأمر الذي أفزع الحكومة الإسرائيلية حيث أصدرت قرارها في آب 1988 بشأن تجريم إنشاء هذه اللجان وفرض عقوبات مشددة على من تشتبه في انضمامهم إليها أو مساعدتها، وهي عقوبات وصلت إلى السجن عشر سنوات أو الإبعاد إلى الخارج ومصادرة الممتلكات، ومن ناحية أخرى ثبت لأهل الأرض المحتلة بعد هذه التجربة أن هذه القيادة الموحدة تتحلى بدرجة عالية من المصداقية فهي تسعى دائما لتنفيذ قراراتها وتتمتع بالتزام فصائلي متين، وقد تنامي الشعور في الأشهر الأخيرة للانتفاضة الأولى أن الفصائل الفلسطينية أصبحت تتحمل المسؤولية العظمى، وهذا الشعور كان له الأثر العظيم في تدعيم مكانة ونفوذ القيادات التنظيمية في مجريات العملية داخل الأرض المحتلة.

‌ب. أساليب المقاومة خلال الانتفاضة الأولى

ذكرت القيادة الوطنية الموحدة في أحد بياناتها أن"الانتفاضة هي حرب استنزاف ضد الاحتلال وتكبيده خسائر في الأرواح والاقتصاد وفي الأمور والقضايا السياسية والمعنوية "، وقد امتدت الانتفاضة وانتشرت تدريجيا لتشمل كافة المناطق الفلسطينية المحتلة في العام 1967 وقد اتخذت أشكالا عديدة استهدفت الجنود والمدنيين الإسرائيليين والعملاء، وحسب معطيات أمنية إسرائيلية فإنه بينما كانت المظاهرات قبل الانتفاضة الأولى موجهة ضد السلطات الإسرائيلية (الجيش والحكم العسكري والإدارة المدنية الإسرائيلية)، فإن الانتفاضة الأولى استهدفت الإسرائيليين دون تمييز بين الجندي والمدني.
كانت الانتفاضة الأولى جماهيرية على شكل جمهور يتدفق معبراً عن نفسه بطرق احتجاجية كثيرة كان منها المظاهرة بأشكالها الصامت والهاتف والمهاجم بالحجارة والقنابل الحارقة والمشتبك بالأيدي، وامتدت أشكالها إلى الكتابة على الجدران وعزف الموسيقى والرقص والجلوس في الشارع والاعتصام وغير ذلك، وقد اتخذت الشكل الاحتجاجي المكتوب والمحرض منذ أيامها الأولى من خلال البيانات الصادرة عن قوى المقاومة الموحدة والإسلامية، وقد جاءت هذه الأشكال في معظمها تعبيراً عن هموم متراكمة لم يعمل أحد على معالجتها، مما دفع الفلسطينيين مع الزمن إلى واقع مفاده أن أموره غير قابلة للتغير نحو الأفضل فضاق ذرعا ونفذ صبره فخرج إلى الشارع متوجها إلى العالم يبثه همومه مطالبا بالخلاص مما هو فيه، ولم يكن للجمهور بقطاعه الواسع مطالب واضحة أو محددة، ولكن في المقابل لم يكن هناك لبسا حول أسباب اندفاع الجمهور إلى صدارة الحدث، ولا لبسا حول المعطيات التي قد تؤدي إلى الهدوء أو الانفجار، لأن تلك الحركة الجماهيرية لم يوجد لها برنامج بالرغم من قيامها بإعداد أعمال ورقية تشكل بنوداً أو شروطاً أو خطوطاً عريضة لحلول جاءت عبر بياناتها الموزعة يدويا أو عبر وسائل الإعلام.

هكذا جاءت التجربة الفلسطينية على مدى سنوات، وانتظر الشعب في كل مرة قيادة تعبر عن مطالب واضحة أو خطوط عريضة تعبرّ عن الطموحات والآمال، وقد تعددت وسائل هذا التعبير وتراوحت ما بين الاتصالات المباشرة مع الجهات المعادية وبين البيان الجماهيري الذي يوزع في الشارع، ولكن الشعب الفلسطيني لم يستطع تطوير تلك المرحلة والسير بها نحو المقاومة المنظمة على الرغم من قدرة الانتفاضة على ابتكار واستحداث وسائل احتجاجية وربما بعض أعمال المقاومة المتناثرة، وقد يعود ذلك إلى أن للجماهير مصالح وأمامها حياة يومية عليها أن تفي بالتزاماتها، ولكن المفارقة التي أذهلت العالم كانت عدم انحسار التدفق الجماهيري لصالح العمل التنظيمي الذي من المفروض أن ينقل العمل الجماهيري إلى عمل مقاوم خاصة مع تنامي المد الإسلامي داخل الضفة الغربية وقطاع غزة.

‌ج. الانعكاسات الإقليمية والدولية للانتفاضة

بدأت الانتفاضة الفلسطينية على الصعيد الإقليمي في ظروف عربية غير مواتية على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي، فقد بدا العالم العربي أكثر اهتمامًا بمشكلات حرب الخليج، التي شهد عام 1987 خطر امتدادها إلى أقطار خليجية عربية أخري. وكانت قمة عمان الطارئة في تشرين ثاني 1987 قبل أيام من تفجر الانتفاضة مؤشرًا واضحًا إلى ذلك؛ حيث تصدرتها قضية حرب الخليج، بينما طرحت القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي على هامشها.

انعكست الانتفاضة بشكل واضح على العلاقات الفلسطينية العربية، خاصة مع الدول التي عرفت باسم "دول الطوق" المحيطة بإسرائيل، فقد شهد العام الأول للانتفاضة القرار الأردني بفك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية، الذي صدر في صورة إجراءات متتالية خلال الفترة من 29 تموز إلى 8 آب 1988، وتدل متابعة الخطاب السياسي الأردني خاصة خلال قمة الجزائر العربية الطارئة (7 – 9 حزيران) إلى وجود اتجاه أردني واضح لعدم قبول التفاوض نيابة عن الشعب الفلسطيني، وأن صيغة الوفد المشترك الأردني الفلسطيني إلى المؤتمر الدولي المقترح تعني وفدين ضمن وفد موسع، يتولى فيها الممثلون الفلسطينيون كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وبذلك أصبحت الظروف مهيأة لتطوير العلاقات الأردنية الفلسطينية على أساس جديد فرضته الانتفاضة وقوامه المساواة أو التكافؤ، وهو أساس كان مفتقدًا قبل ذلك. كما اتخذت مصر موقعًا مؤيدًا للانتفاضة، وأخذ هذا التأييد شكل تحرك دولي واسع للتعجيل بالتسوية ولإدانة القمع الإسرائيلي للانتفاضة على الصعيد العالمي، كما تمت العديد من الاتصالات المصرية والفلسطينية؛ للوصول إلى حلول للقضية الفلسطينية ولدفع عجله السلام والوصول إلى تسوية عادلة لها.

ظهر واضحًا أن هناك خلافات أساسية بين كل من سوريا والسلطة الفلسطينية في العديد من الأمور، لعل أهمها الوجود الفلسطيني العسكري في لبنان، وموقف الفصائل الفلسطينية المرتبطة بدمشق، والحوار الفلسطيني مع القوى الديمقراطية الإسرائيلية، والعلاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية ومصر، وقد تصاعد التوتر في العلاقات إثر الصدام المسلح الذي وقع بين حركة فتح وجماعة أبو موسى في مخيم شاتيلا، وموقف سوريا من مساندة حركة فتح أو منع وحدات قوة من أنصار فتح كانت قادمة من صيدا.

أما على المستوى الدولي؛ فقد فرضت الانتفاضة نفسها على العالم ورفعت أسهم القضية الفلسطينية روحيًا بشكل غير مسبوق، خاصة بعد أن أكدت قدرتها على الاستمرار. وقد تباينت مواقف القوى الرئيسية في النظام الدولي، خاصة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الغربية، وهي القوى الأكثر اهتمامًا بالشرق الأوسط، فقد امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت على القرارين 605 و608 اللذين كانا يشجبان ويدينان السياسات والممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وذلك في 22 ديسمبر 1987 و 15 كانون ثاني 1988، بينما صوتت لصالح القرار 607 في 5 كانون ثاني 1988 والذي طالب إسرائيل بالامتناع عن ترحيل مدنيين فلسطينيين من الأراضي المحتلة، وأعقب ذلك استخدامها لحق الفيتو ضد عدة مشروعات قرارات تنتقد أو تدين الموقف الإسرائيلي، كما استمر الموقف الأمريكي يقدم الدعم الصريح والمباشر لإسرائيل.وكان موقف الاتحاد السوفيتي تجاه الانتفاضة؛ أقل مما كان متوقعًا، وقد تركز بصفة أساسية على ما تتيحه الانتفاضة من ضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل في اتجاه التسوية السلمية التي تسعى إليها السياسة السوفيتية.

وتباينت المواقف الأوروبية من دولة أوروبية إلى أخرى بين إدانة استمرار احتلال إسرائيل للأراضي العربية واستنكار ما يعانيه الشعب الفلسطيني، إلى المطالبة بفتح باب التسوية السلمية عبر مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط. وتبنت بعض الدول الأوروبية ومنها نيوزلندا موقفًا أكثر تشددًا، مثل إيقافها تقديم أوراق اعتماد سفيرها الجديد لإسرائيل، وتجديد أيرلندا رفضها القاطع لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وإصرار فرنسا على عقد لقاء بين وزير خارجيتها وياسر عرفات خلال زيارته للبرلمان الأوروبي منتصف عام 1988، ثم لقاء عرفات بالرئيس الفرنسي نهاية 1989، وقد استمر البرلمان الأوروبي في تبني موقف أكثر وضوحًا سواء في إدانة السياسات الإسرائيلية وأساليب القمع التي تستخدمها أو تأييد عقد المؤتمر الدولي والمشاركة الفلسطينية فيه، كما تميز أيضًا بمطالبة الجماعة الأوروبية بمبادرة تهدف إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة.




 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  مشاهد حب صامتة

 ::

  فضاءات صقر

 ::

  في حديقة البنفسج

 ::

  جسد وجمال

 ::

  صرخة الموت

 ::

  عندما نبحث عن الوطن في الجهة اليسرى من القلب

 ::

  خيوط يرسمها الزمن

 ::

  ذاكرة فرح وراء القضبان

 ::

  ظاهرة العنف بين طلاب المدارس الفلسطينية


 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  العلاج بالروائح العطرية

 ::

  قائدة الثورة المصرية.. أسماء محفوظ..محطمة حاجز الخوف

 ::

  الصحافة ايام زمان

 ::

  الفلافل.. مكونات مختلفة لوجبة متكاملة القيمة الغذائية

 ::

  مساواة المرأة بالرجل في الثرثرة!

 ::

  النباهة والاستحمار



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.