Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

 
 

القرارات الفردية أفضل من القرارات الجماعية (أحيانًا)!!
عبدالمنعم السلمون   Thursday 23-02 -2006

تحتل العلاقات البشرية والتفاعل فيما بين الأفراد مكانة متقدمة في مجال الدراسات النفسية. وإذا كان بإمكان الأشخاص الذين يعملون في مجموعات أن يصبحوا مبدعين ومتعاطفين بعضهم مع بعض، كأن يسهموا في إقامة شركات رابحة أو أن يساعدوا الآخرين في التغلب على المشكلات الشخصية التي تصادفهم، فإننا على الجانب المقابل ربما نجدهم وقد أكل الحقد والحسد قلوبهم أو قد تسيطر عليهم النزعة إلى الانتقام أو تتملكهم الرغبة في التدمير!!
- إنترنت
- مجلة «فوكس FOCUS» يونيو 2004م
لقد أصبح فهم السلوك الجماعي يمثل أحد التحديات المهمة التي تواجه علم النفس في وقتنا الحاضر.
وما لم تكن ناسكًا أو شخصية انعزالية، فمن المحتمل أن تكون عضوًا في جماعات عديدة مختلفة.
بعض هذه الجماعات قد تكون لها صفة الديمومة، مثل الأسرة أو فريق العمل، في حين أن غيرها، مثل جمهور كرة القدم أو مجموعة من الأصدقاء في حفل، تكون مؤقتة. وبالطبع فإنك أنت الذي تختار أصدقاءك والجماعات التي تجد معها مصلحتك، لكنك تجد نفسك معلقًا بأسرتك وهويتك.
باختصار، فإن كل جماعة تحمل معنى مختلفًا بالنسبة لأعضائها لكن تظل هناك بعض المعالم النفسية العامة لأية جماعة.
إن البشر كائنات اجتماعية لهذا السبب نتجمع معًا في مجموعات بالدرجة الأولى. «هناك عناصر مهمة تشكل إدراك الإنسان لذاته، تأتي من كونه عضوًا في إحدى الجماعات» حسبما يقول دوجلاس هاوات المحاضر المتقاعد في علم النفس بجامعة كوفنتري ويضيف: «كثير من الأشخاص يسعدون بكونهم أعضاء في جماعات، إنها وسيلة لتكوين علاقات تشبع الجانب الشعوري لدى الفرد. وهؤلاء الأفراد يحبون حقًا أن يكونوا جزءًا من جماعة إذا كانت هذه الجماعة ناجحة. عندما يكسب فريق كرة القدم، فإن مشجعيه ينعمون بالمجد والفخر الذي ينعكس عليهم».

ربما كان ذلك هو السبب في أن هؤلاء المشجعين، عندما يتحدثون أمام الميكرفون في برامج الكرة يقولون «نحن» إذا كان النقاش يدور حول أداء فريقهم.
«إن الجماعات تكون أكثر قوة من الأفراد المحددين عندما يعملون معًا في تنسيق وتعاون إن الجماعات يمكنهم (بالمعنى الحرفي) تحريك الحبال» كما يذكر «جيم كويك» أستاذ السلوك التنظيمي بجامعة تكساس في آرلنجتون.
لكن وجودك في جماعة يغير في طريقة سلوكك. فوجود الآخرين يكون له، بصفة عامة، تأثير منبه للجهاز العصبي. هذا أمر طبيعي لأنك لا تعرف ماذا سيفعلون، ربما يتحدثون إليك، أو يتحركون هنا وهناك، أو حتى يهاجمونك... ويتعين على مخك أن يكون منتبهًا لكل هذه المثيرات الطارئة. إذا كان الآخرون يتصرفون كمتفرجين، فربما ينتابك القلق حول إذا ما كانوا يجرون عملية تقييم لك أو الحكم عليك. كما أن مجرد وجود آخرين حولك قد يصيبك بالارتباك، فهو يشتت انتباهك. لذلك لا تستطيع التركيز في العمل الذي بيدك.
في عقد الستينات من القرن الماضي، وضع عالم النفس «روبرت زاجونك» نظرية «البراعة الاجتماعية Social facilitation» التي تقول إن الأشخاص يكون أداؤهم أفضل في الأعمال البسيطة التي تدربوا عليها كثيرًا، عندما يكونون مع آخرين مما لو كانوا بمفردهم. لكن في حالة الأعمال المعقدة فإن أداءهم ينخفض بشدة.
لكن هناك جانبًا آخر للسلوك الجماعي وهو «التبطل الاجتماعي Social loafing» وهو أن الفرد يميل للاسترخاء والاندماج في الحشد المجموع إذا لم يكن هنالك من يراقب جهوده كفرد.
وقد بدأت دراسة «التبطل الاجتماعي» في ثمانينيات القرن التاسع عشر بواسطة «ماكس رنجلمان» وهو مهندس زراعي فرنسي لاحظ أنه عندما قام فريق من الرجال بشد أحد الحبال (عمل بسيط) بذل كل منهم جهدًا أقل كفريق مقارنة بالجهد الذي يبذله عامل واحد عندما يكون بمفرده!
أما عندما يتعلق الأمر بالأعمال المعقدة، فإن احتمال عدم تقييمك وتقديرك كفرد ربما يمنحك قدرًا من التحرر. ولاختبار هذه الفرضية، طلب علماء النفس من المشاركين تنفيذ عمل على جهاز الكمبيوتر في غرف منفصلة. وقد تم إبلاغ البعض بأن الأداء سيتم تقييمه على نحو فردي (مما تسبب في إصابتهم بقلق بخصوص الأداء) في حين أبلغ الآخرون بأن النتائج ستكون طبقًا لمتوسط أداء بقية المجموعة. وكما هو متوقع، فقد كان أداء المجموعة الأولى أسوأ من الثانية.
هذا النوع من انعدام المسؤولية يمكن أن يؤدي إلى أشخاص متحللين من كل ما يكبحهم وهو ما يطلق عليه «إلغاء الذات الفردية deindividuatin» في بعض الأحيان يكون ذلك الأمر خطيرًا، ويترتب عليه ظهور سلوكيات تتسم بالعنف والاندفاع، لا يمكن للأفراد أن يفكروا في الانخراط فيها لو كانوا بمفردهم. الشباب صغار السن من جماهير كرة القدم يسبون ويهاجمون الأشخاص والممتلكات بينما عرف عن أندادهم المصابين بالهوس في حفل لموسيقى الروك أنهم يدوس بعضهم بعضًا حتى الموت!
إن مشكلة إلغاء الذات الفردية تصبح أكثر سوءًا عندما تتوارى الهوية خلف طلاء الحرب أو القلنسوة والرداء. فقط انظر إلى عمليات إعدام الأمريكان من أصل إفريقي بدون محاكمة التي نفذتها جمعية «الكوكوكس كلان Ku Kux Klan»(1). لقد أظهر تحليل لستين عملية إعدام خلال الفترة من 1899م إلى 1946م أنه كلما كان الحشد يضم عددًا أكبر من الأشخاص، كان العنف ضد ضحاياهم أشد قسوة. وهناك دراسة أخرى للحرب في أربع وعشرين حضارة تظهر أن المقاتلين بالزي العسكري كان لديهم استعداد لقتل الأسرى أكثر من المحاربين الذين لم يخفوا هويتهم.
يتفق د.هاوات مع الرأي القائل إن إلغاء الذات الفردية له بالفعل دلالات سلبية عديدة، لكنه يستدرك بأن ذلك ليس دائمًا بالأمر السيئ «إنه فعلاً مظهر عادي جدًا للسلوك الجماعي. بدلاً من التفكير في عنف الجماهير، فكر في الاسترخاء والمتعة التي تحصل عليها في حفل.. ذلك أيضًا إلغاء للذات الفردية أو نوع من ذوبان الفرد في الجماعة».


قدح الزناد
إحدى أهم المزايا التي تصاحب الجماعات هي توالد الأفكار والآراء والاستفادة من ذلك في اتخاذ القرارات. ومن الأمور المسلم بها على نطاق واسع، أن عقلين (أو أكثر) أفضل من عقل واحد إذا ما تناولنا هذه الجوانب من السلوك البشري. لهذا السبب نجد الاتجاهات الحديثة في التعليم تركز على الطلاب أو الدارسين الذي يعملون في مجموعات صغيرة لإعداد المقدمات العلمية ولهذا السبب أيضًا تعد عملية قدح زناد العقول brain storming من خلال تبادل الأفكار مسألة شائعة جدًا في بيئة العمل، لكن الأمر المثير للدهشة أن الأبحاث أظهرت أن قدح زناد العقول بين المجموعات ليس بالفعالية نفسها، سواء في عدد الأفكار الجديدة أو نوعيتها، حيث يمكنك الحصول على نتائج أفضل إذا هيئ الأشخاص (كل بمفرده) للعمل على حل مشكلة ما.
نحن نميل أيضًا إلى افتراض أن القرارات التي تتخذها الجماعات أفضل من القرارات الفردية، معظم الناس في الغرب اعتادوا الممارسات الديمقراطية (مهما كانت هذه الممارسات غير مثالية في التطبيق) وسوف يصابون بالرعب إذا راودتهم فكرة أن يحكموا بواسطة حاكم ديكتاتور. إننا نعلق أملنا على أن لجنة ما سوف يمكنها اتخاذ قرار أفضل من أن يتولى شخص بمفرده هذه المهمة، وأبرز مثال على ذلك استخدام هيئة محلفين في المحكمة.
لكن الفريق الذي يتم انتقاؤه بعناية (وليس المجموعة التي تشكلت بطريقة عشوائية) هو الذي يتخذ القرارات الخلاقة، حسبما يقول، ميريديث بلبين الذي صاغ نظرياته في كلية هنلي للإدارة حول تشكيل الفريق وأثبتت هذه النظريات نجاحها في مجال الأعمال بمختلف أنحاء العالم «إن العدد المفضل لأعضاء فريق ما هو أربعة أشخاص يليه فريق من ستة أفراد» ويضيف «بلبين»: «إن الأعداد الفردية غير فعالة، من الأفضل أن يعمل الأشخاص بأعداد زوجية متكاملة. اللجان كبيرة العدد لا تنجز شيئًا، مع ذلك فإن الناس يفضلونها»!
الحقيقة أن الجماعات يمكنها التوصل إلى قرارات خاطئة وسيئة جدًا، لأن عمليات التفكير لدى أفرادها قد تتخذ منحى منحرفًا! وهي عملية يطلق عليها علماء النفس «الفكر الجماعي group think». أفضل الأمثلة على ذلك هو خطة الرئيس «جون فرانكلين كنيدي» باستخدام عدد من الكوبيين بالمنفى، الذين دربتهم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «CIA» لغزو خليج الخنازير بكوبا عام 1961م. وكانت عملية كارثية كادت أن تدفع العالم، أقرب من أي وقت مضى، نحو حرب نووية. وقد قال «كنيدي» فيما بعد معلقًا على ذلك: «كيف وصلنا إلى هذا الحد من الغباء؟!» الإجابة أن القرار جاء من الرئيس ومجموعة ضيقة مقربة، تتكون من المستشارين المعزولين عن الحوار والنقد والذين وصل بهم الأمر إلى حد الاعتقاد بأنهم منزهون عن الخطأ. لقد أصبحت المجموعة أكثر أهمية من الأفراد الذين تتشكل منهم!!
وعلى الرغم من أن كنيدي بدا أنه قد تعلم من عملية «خليج الخنازير»، فإن هناك احتمالاً واضحًا بأن أسلوبه التسلطي في القيادة «authoritarian leadership» قد أسهم في نشوب هذه الأزمة.


محامي الشيطان
إن المجموعة وسلوكها يتشكلان بقائدها والأدوار التي يلعبها بقية الأعضاء. ومن الصعب وضع تعريف محدد للقيادة، كما أن الأبحاث تظهر أن القيادات (بصفة عامة) لا تشترك معًا في سمات شخصية معينة. يقول د.هاوات: «لقد اعتدنا ترديد النظرية القائلة إن القائد رجل عظيم ساقته الأقدار للقيام بدوره، يضيف: «نعتقد الآن أن معظم الأشخاص، لدى كل منهم الاستعداد ليصبح زعيمًا، بناء على ما سبق وما تتيحه له البيئة من حوله».
يشير البروفسور «كويك» إلي أن «الزعيم الجيد يكون مقنعًا (لا موجهًا يصدر التعليمات) لديه القدرة على الاتصال والتحدث بوضوح، مستمعًا جيدًا، يستجيب لعواطف ومشاعر أعضاء المجموعة وكذلك تفكيرهم وأفكارهم، حساسًا تجاه استعداد كل عضو من الجماعة للدفاع عن كبريائه الذاتي».
كثير من القادة (وليس جميعهم) يظهرون سيطرتهم في المجموعة حاجة إلى السلطة. ومن صفاتهم أنهم يتحدثون كثيرًا، ويرغبون في أن يستمع لهم الآخرون وأن يكون لهم نفوذ باتخاذ القرارات. في معظم المجموعات يمكن أن يكون من السهل تحديد الأشخاص المهيمنين، إنهم يميلون إلى عدم الابتسام، أو حتى يعبسون، ويقفون بامتداد قاماتهم، صدورهم منتفخة ويضعون أيديهم على أفخاذهم. إنهم يستخدمون عيونهم في الحديث إلى الآخرين، يشيرون بأصابعهم بل يلمسون الأشخاص لكنهم لا يشجعون الرد على الإشارات بمثلها. ومن المحتمل أن يكون للسيطرة مدلول تطوري يتمثل في أن المجموعة تصبح احتمالات ازدهارها أكبر إذا كان هناك شخص يتولى زمام الأمور فيها.
في كل المجتمعات البشرية يسيطر الذكور على الإناث. لكن الشخص المهيمن على الجماعة ليس دائمًا القائد الأفضل. ويعتقد «هاوات» أيضًا أن السبب في عدم وجود عدد أكثر من القيادات النسائية العظيمة، يعود إلى الصورة النمطية للجنس وعدم إتاحة الفرصة، أكثر مما يعود إلى فقدان القدرة الفطرية.
إلى جانب القائد، هناك أدوار أخرى داخل الجماعة «قد يتبنى الأشخاص أدوارًا بعينها، أو ربما تحاول الجماعة دفعهم لأداء أدوار معينة» حسبما يوضح البروفسور كيك، «الأدوار الشائعة تتمثل في القائد والتابع والخارج عن ذلك بعض الجماعات قد يكون لديها مهرج بينما جماعات أخرى يكون لديها منكّت وما زالت جماعات ثالثة تحتفظ بـ«مراقب العبيد» وعلى أي الأحوال فهذه ليست أدوارًا معيارية لدى كل الجماعات ولا هي النظام الوحيد للقواعد التي تحكمها، داخل الفرق التنفيذية السليمة حقًا سوف نجد «محامي الشيطان» أو «الديك الرومي الجامح» الذي يشجع التفكير البديل والأفكار الباطنية داخل المجموعة».
إن علم النفس الجماعي group psychology له تطبيقات كثيرة سواء في العلاج أو في مجال الأعمال. إن جماعات الدعم (بما فيها تلك الموجودة على شبكة الإنترنت) التي تساعد الأشخاص الذين يعانون حالات مرضية مزمنة بدءًا من السرطان وانتهاء بالإيدز، أصبح في مقدور أي شخص الانضمام إليها. ويعلق «د.هاوات» بأن «الجماعات التي تشجع الاعتماد على الذات يمكن أن تحقق نجاحًا كبيرًا مع الأشخاص الذين يواجهون بعض المشكلات»، ويضيف قائلاً: «يبدو أن هذه الجماعات تعمل بأساليب وطرق تذهب إلى ما وراء المصادر الأخرى للدعم والمساعدة على الرغم من أنها (بحكم طبيعتها) يصعب إجراء الدراسات عليها».
والتفكير في الأدوار التي نلعبها داخل الجماعات يؤدي إلي زيادة الإنتاجية في مجال الأعمال أيضًا. لقد بدأ «ميريديث بلبين» النظر في النماذج داخل ديناميات المجموعة ووجد أن تجمع أكثر الأشخاص براعة لا يشكل دائمًا المجموعات الأكثر نجاحًا! وقد طور نظامًا للأدوار الرئيسية التي يتسم بها فريق إداري ناجح، وتندرج هذه الأدوار في تصنيفات من مثل: مبدعين، أذكياء، وأشخاص متفاوتين. إن وضع كل شخص في المكان المناسب يحسن من الإنتاجية ويقلل من الضغوط والإجهاد.
وتأتي أفكار بلبين من مصدر غير معتاد نوعًا ما، يقول: «إنني شديد الحماس لفكرة الشبكة الخلوية، وهي الطريقة التي تعمل بها الحشرات الاجتماعية مثل: نحل العسل، والنمل الأبيض... إن هذه الحشرات مقسمة إلى فرق صغيرة أو خلايا، وهناك اتصال بين هذه الخلايا. وفي اعتقادي أن تكنولوجيا المعلومات والإنترنت تدفعان المجتمع البشري في هذا الاتجاه، في حين تتهاوى السلطة الهرمية القديمة والتي تسير في الاتجاه الرأسي من أعلى إلى أسفل. إن المستقبل يكمن في الشبكة الخلوية cellular network.


الأندية الريفية
قد ننتمي إلى الجنس البشري، لكن خلفيتنا الثقافية يكون لها بالفعل تأثير على كيفية تصرف كل منا.
ربما تكون المشاعر عالمية، لكن الطريقة التي نعبر بها عنها تخضع لنفوذ حضاري وثقافي قوي. على سبيل المثال، إذا هز البعض رؤوسهم من أعلى إلى أسفل، فلا تفترض أنهم موافقون. في بعض أنحاء إفريقيا والهند تعني هذه الإشارة «لا» أما هز الرأس يمنة ويسرة فيعني «نعم»! مع ذلك فإن هز الرأس يمنة ويسرة في كوريا معناه «لا أدري»!
في اليابان، كذلك الصين وأمريكا الجنوبية والبرتغال وباكستان يكتسب «التآلف الجماعي group harmony» قيمة أعلى من «النزعة الفردية individualism». من المحتمل أن يكون ذلك هو السبب في أن طاعة السلطة تمثل «قاعدةسلوكية norm» في اليابان، ومن المعتاد إخفاء المشاعر السلبية وراء الابتسامة. وأبناء الشعب الياباني أقل احتمالاً للاتصال بعضهم ببعض من خلال تبادل النظرات «eye contact»، بينما في الولايات المتحدة يعتبرون الشخص الذي لا يريد أن ينظر إليك في «عينيك مراوغًا»! العرب يستخدمون كثيرًا الاتصال عن طريق تبادل النظرات وهو الأمر الذي ربما يراه أشخاص من ثقافات أخرى سلوكًا غير مريح!
المسافات بين الأشخاص والتلامس معهم يتباين من دولة لأخرى أيضًا. الأفراد من دول جنوب أوروبا وأمريكا الجنوبية والشرق الأوسط يميلون إلى الوقوف معًا على مسافات أقرب ويتلامس أكثر من نظرائهم في دول أمريكا الشمالية وشمال أوروبا وآسيا. يبدو كذلك أن كل دولة لها قواعدها الخاصة بالمصافحة. في فرنسا، تصافح كل فرد في المجموعة عندما تلتقون ولا تكتفي فقط بتوجيه تحية عابرة إلى جيرانك ومعارفك في الشارع بقولك: «hello» وأنت ماض إلى حال سبيلك. لا بد أن تتوقف وتصافحهم يدًا بيد.
ربما كان لسلوك اليابانيين تأثير كابح على مشجعي كرة القدم في كأس العالم 2002م والشغب في مباريات كرة القدم لا يقتصر على المشجعين الإنجليز، على أي الأحوال فإن المشجعين الأتراك والهولنديين والألمان لا يتصرفون على نحو جيد، لكن ربما كان أكثر السلوكيات شذوذًا وارتباطًا بثقافة معينة هو الحماس الجنوني للجماهير التي تؤيد المرشحين للرئاسة الأمريكية.
سلوكيات متطرفة
في عام 1964م لقيت كيتي جينوفيز مصرعها بعد أن هاجمها رجل بسكين، عندما كانت تسير عائدة إلى منزلها عبر منطقة راقية في مدينة نيويورك. على الرغم من أن 38 شخصًا أبلغوا عن رؤية الجريمة وسماع صرخاتها، فلم يتقدم أحد لمساعدة الضحية أو حتى استدعاء الشرطة! كان هذا مثالاً بارزًا وسيئًا لشكل من أشكال السلوك غير الاجتماعي يعرف على أنه «لا مبالاة المتفرج السلبي bystander apathy».
يعتبر البرازيليون أكثر الشعوب استعدادًا لتقديم المعونة في العالم، أما الماليزيون فهم الأقل في هذا المجال. ذلك هو الاستنتاج الذي تم التوصل إليه من خلال دراسات أجريت حول مدى استعداد الأشخاص في دول مختلفة للإقدام على مساعدة شخص ما (على سبيل المثال، مساعدة شخص ضرير في عبور الطريق) ثلاثة وتسعون بالمائة ممن يعيشون في ريو دي جانيرو قدموا يد المساعدة، مقارنة بأربعين في المائة في كوالالمبور!!
في السادس عشر من مارس 1968م، أثناء حرب فيتنام، أمر قائد الفصيلة الملازم أول وليام كاللي أحد جنوده بإطلاق النار على مجموعة من القرويين (نساء وأطفال وشيوخ) أثناء قيامهم بإعداد طعام الإفطار. وبدلاً من عصيان أوامر كاللي أخذ جنود آخرين يطلقون النار في مجزرة راح ضحيتها جميع سكان قرية ماي لاي My Lai!
«د.ريتشارد ستيفنز» محاضر متقاعد في علم النفس بالجامعة المفتوحة. تتضمن اهتماماته البحثية علم النفس المستند إلى الفلسفة الإنسانية والتحليل النفسي psychoanalytic and humanistic psychology تم طرح مجموعة من الأسئلة عليه وتحصيل إجاباتها:
- كيف يؤثر كون الفرد طرفًا في جماعة على سلوكه؟
هناك بعض الفروق المهمة بين الأفراد والجماعات عندما يتعلق الأمر بالسلوك الذي يتنافى مع المبادئ والقواعد الأخلاقية. الأفراد يفعلون أشياء لكي يتطابقوا أو يتكيفوا Conform ويصبحوا مطيعين عندما يكونون في مجموعة (مثل القيام بالقتل في إحدى الحروب) وهذه الأشياء من غير المحتمل أن يفعلوها إذا كان كل منهم بمفرده.
- لماذا نميل إلى العمل في مجموعات؟
لقد تطورنا كمجموعات قبلية صغيرة، واستقطاب السلوك (بمعنى أن نكون متعاونين مع أفراد المجموعة ومعادين لمن هم من خارجها) له قيمة في الصراع من أجل البقاء «Survival» إنك لا تزال ترى هذا الاستقطاب في الرياضة والعقيدة والسياسة... إنه من المعالم اللافتة للنظر في السلوك البشري.
- ما الفائدة التي تقدمها الجماعة للفرد؟
إنه لأمر مهم بالنسبة لكل منا أن يكون لديه شعور ما بالانتماء. في الماضي كان النفي عقوبة مخيفة وحتى في يومنا هذا، في مجتمعاتنا الأكثر إيمانًا بالمذهب الفردي «more individualistic» ينقلب الأشخاص رأسًا على عقب ويصابون بالقلق والانزعاج إذا تم إقصاؤهم من المجموعة (في العمل على سبيل المثال).

- ما الأضرار؟
هناك قضية التكيف أو التطابق ربما تجد نفسك تفعل أشياء ضمن مجموعة كنت تفضل عدم القيام بها! وقد تجد نفسك أيضًا تكبت مشاعرك الحقيقية من أجل تحقيق مصالح الجماعة وهذا قد يؤدي إلى الإحساس بالاغتراب والوحدة. هناك أيضًا عمليات دينامية نفسية في اللاوعي «unconscious Psychodynamic» تحدث في الجماعات وقد تقود بعض الأفراد إلى التملص من المسؤولية وإلقائها على الآخرين مما يمكن أن يتسبب في كثير من أشكال المعاناة.
- هل يميل الأفراد إلى تبني أدوار معينة داخل الجماعة؟
هناك عادة سكرتير أو «حمار الشغل workhorse»، «المعترض protestor»، «قائد الفريق team leader» الذي يحرك الأشخاص في العمل و«القائد الحميم worm leader» الذي يعمل على إسعاد الأشخاص. ويتعين على القائد أن يكون متناغمًا مع المجموعة، على ألا يكون مفرطًا في التقمص الوجداني، لأن ذلك ضروري للحفاظ على قدر معين من المسافة التي تفصل بينه وبين مرؤوسيه، لكن القائد الذي يكون مقبولاً من جانب إحدى الجماعات ربما لا يحظى بالقبول من غيرها.
- ما القضايا الرئيسة في علم النفس الجماعي حاليًا؟
أعتقد أنه من المهم توضيح مفهوم التكيف أو التطابق «conformity» وسوف يكون من المهم بالتأكيد أن ننظر في علم الوراثة والبيولوجيا لهذا الجانب من السلوك. وسوف يكون من الأمور الحاسمة التغلب على الميل للاستقطاب (داخل الجماعة وخارج الجماعة) الذي يتجسد في دعم وتأييد المواطنة أو الديانة. على الرغم من أن هذا الاستقطاب له قيمة من منظور البقاء في وقت من الأوقات، فمن الممكن الآن أن يصبح سبب تردي وانهيار البشرية، في ظل تكنولوجيا التسليح التي أصبحت تحت تصرفنا!
على أي الأحوال، فإن السلوك البشري يمثل ظاهرة بيولوجية معقدة، لدرجة أنه من المحتمل أن كثيرًا من الجينات التي تعمل معًا، تدخل في تشكيله، عوضًا عن الجينات المفردة المسؤولة عن الاضطرابات الوراثية مثل تليف المثانة Cystic fibrosis.
في إحدى الحالات الموثقة جيدًا، أظهر العديد من رجال العائلات الهولندية أنواعًا مختلفة من السلوك غير الاجتماعي، مثل إحراق المباني والممتلكات عمدًا، محاولات اغتصاب والسلوكيات الفاضحة (بإظهار عوراتهم) وقد وجد أنهم جميعًا لديهم عيب في جين يسمى «monoaminoxidase»، وهذا الجين ينتج إنزيمًا مهمًا في كيماويات المخ. لكن هذا العيب في جين بمفرده، بحد ذاته، لا يكفي لتفسير هذه الانحرافات السلوكية. وفي أفضل الأحوال يمكن أن يكون ذلك جزءًا من التفسير اللازم لهذا النمط السلوكي الذي يظهر في تلك العائلة.



الهوامش:
1- جمعية سرية أمريكية نشأت بعد الحرب الأهلية لترسيخ سيطرة البيض على الزنوج.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  دكتور شوقي شعث لازلت تسكُنني حتى رمقي الأخير

 ::

  ورد الانفس الحيرى

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 5

 ::

  الليل يضع نظارة سوداء

 ::

  كشف اللثام عن مؤامرات اللئام في الإيقاع بالإسلام ج/2

 ::

  الانترنت سبب رئيسي في ارتفاع نسبة الطلاق بين الشباب في المملكة!

 ::

  قصص في حجم الكف 5

 ::

  مصر والفشل المزدوج

 ::

  صبغات الشعر... وهم من أجل الجمال !!

 ::

  عندما يكون الفلسطيني عدو نفسه



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  من المهد إلى هذا الحد

 ::

  صخب داخل الكيان الصهيوني .. انعاسات وأبعاد!!

 ::

  التنظيمات النقابية والحياة السياسية فى مصر

 ::

  قصة ثلاثة شهداء والتهمة حب فلسطين

 ::

  زمن التحولات الكبيرة

 ::

  الفساد في لبنان أقصر الطرق إلى السلطة

 ::

  ظاهرة «بوكيمون غو»

 ::

  «سايكس- بيكو».. التاريخ والمستقبل؟

 ::

  الاستفتاء تم

 ::

  فلسطينيو سوريا وتراجع المرجعية

 ::

  مرجعية الفساد والإفساد في الوطن العربي... !

 ::

  أزمة الصحافة والإعلام فى مصر

 ::

  العالم... والمشكلة الأخلاقية المعاصرة

 ::

  أصنامنا التي نعجب بها






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.