Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

تقاسيم القفزة الأدبية في الألفية الثانية الهجرية
نضير الخزرجي   Wednesday 16-01 -2008

تقاسيم القفزة الأدبية في الألفية الثانية الهجرية يؤمن المجتمع الغربي أن المكتسبات العلمية التي يعيش في بحبوحتها العالم هي نتاج الثورة العلمية في القرنين الماضيين، ونتاج ثورة الاتصالات في القرن العشرين، فكل تطور علمي هو رهين الماضي، لكن هذا المجتمع وبخاصة الناطق منه باللغة الإنجليزية يشكو من تدني الأدب الانجليزي، وابتعاد المواطن والشارع العام عن الآداب وجذور اللغة الإنجليزية أو بتعبير المثقفين الغربيين (لغة شكسبير) أو (أدب شكسبير) بلحاظ ان وليام شكسبير (1564-1616م) يمثل قمة الأدب الانجليزي واللغة الفصحى.
ولم تكن المجتمعات العربية بعيدة عن دائرة الانحطاط الأدبي، والابتعاد عن اللغة الأم وبالتالي التنائي عن أدب الأجداد، وهذا ما انعكس بصورة جلية على النتاج الأدبي وبخاصة الأدب المنظوم الذي يمثل قمة الأدب العربي لما فيه من موازين وقياسات تحكم الشاعر والشعر، وقد أصاب كبد الحقيقة من قال بأن القرآن الكريم هو الذي حفظ اللغة العربية وهو الذي حفظ للعرب أدبهم، ولولاه لضاع العرب والعربية، والشعر الذي يسمى كنز العرب وديوان العرب أصابه الهزل ما تقادم الزمان، وكلما ابتعدنا عن أدب الجاهلية وأدب صدر الإسلام ازداد هزال جسد الأدب العربي، ولذلك فان كل الأدباء من عرب ومسلمين في رقبتهم من القرآن الكريم دين كبير، ومدانون الى حَمَلة القرآن وبخاصة رسول الإسلام محمد بن عبد الله (ص) الذي ترك لنا (المجازات النبوية) وما فيها من الأدب الرفيع، والإمام علي الذي خلف لنا (نهج البلاغة) ومستدركاته والديوان المنسوب إليه، الى جانب مجموعة من أدباء وشعراء الصدر الأول للإسلام.
الشاعر والعروضي الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي، تابع في دواوين القرون من قسم (الحسين في الشعر العربي القريض)، المحطات الأدبية التي توقف عندها قطار الأدب العربي وعاين قوتها وضعفها في كل قرن، متلمسا بكف الناقد الخبير عوامل التراجع الأدبي الذي حل بكل قرن من القرون الهجرية. وفي الجزء الأول من "ديوان القرن الحادي عشر" الصادر حديثا عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 482 صفحة من القطع الوزيري، يواصل المؤلف تحقيقاته في بيان معالم الأدب العربي وبخاصة المنظوم في القرن الحادي عشر الهجري (8/10/1592-14/10/1689م)، ليدخل بعد المقدمة في بيان القصائد والمقطوعات التي نظمت في الإمام الحسين (ع) ونهضته المباركة حسب الحروف الهجائية.

الألفية الثانية
قبل سنوات احتفل العالم بالألفية الميلادية الثالثة، وكل ملة وأمة احتفلت على طريقتها، وحتى اللادينيين والبوذ وعباد الأصنام احتفلوا بهذه المناسبة مع ان محورها ميلاد السيد المسيح عيسى بن مريم (ع) رمز الديانة المسيحية، ففي كل سنة ميلادية احتفال وفي كل قرن ميلادي احتفال وفي كل ألفية ميلادية احتفال، وديوان القرن الحادي عشر الذي يؤرخ للأدب الحسيني، يطل على الألفية الثانية لهجرة رسول الرحمة والإنسانية محمد بن عبد الله (ص) من مكة المكرمة الى المدينة المنورة، ولذلك فان المؤلف عقد مقاربة ظريفة بين الإمام الحسين (ع) والسيد المسيح (ع) ومن زوايا مختلفة، أهمها:
أولا: جاء في الرواية، في بحار المجلسي عن كافي الكليني: (لم يولد مولود لستة أشهر إلا عيسى ابن مريم والحسين بن علي).
ثانيا: قال أتباع عيسى (ع) إن يسوع المسيح أعطى ذاته فداءاً عن الجميع، أما الحسين (ع) فقد ضحى بالنفس والأهل وخيرة الأصحاب لتحرير الأمة من ظلمات الظلم والاستبداد الى أنوار العدل والحرية، ومن الوافر ما يُخاطب المؤلف الإمام الحسين (ع):
فإن نسبوا الفداء لليسوع ** فأنت أب الفداء بلا خنوع
ثالثا: ولد المسيح والحسين لسيدتين خصّهما مقطوع القرآن وصحيح السنة بالكرامة، يا بنية والحديث لرسول الله محمد (ص) يخاطب الزهراء (ع): (أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، قالت، فأين مريم، قال: تلك سيدة نساء عالمها، وأنت سيدة نساء عالمك)، ولما كان الإسلام الدين الخاتم ففاطمة سيدة نساء العالمين حتى يأذن الله بالصُور والنشور.
رابعا: خص الله (سبحانه وتعالى) عيسى (ع) بكرامة النطق رضيعا كما هو مقطوع القرآن، وخص (سبحانه وتعالى) الحسين (ع) أن هزّ جبريل مهد الحسين (ع) كما هو صحيح السنة.

بين السياسة والأدب
شهد النصف الأخير من القرن العاشر ومعظم القرن الحادي عشر استقرارا سياسيا بعد أن رفعت الدولة العثمانية علمها على مساحات كبيرة من الأرض، وانخفضت حرارة الفتوحات، ومع ان البعض يطرب لهذه الفتوحات لكن الأدب العربي رغم الاستقرار السياسي أصابه الجدب، إذ: "لم تكن للدولة العربية في الأقطار الإسلامية قائمة، ولم تكن المجاميع العلمية مدعومة بشكل كامل في الاتجاه الصحيح لغويا وفكريا، فقد حكمت معظم البلاد الإسلامية منها الأقطار العربية حكومات اتخذت من اللغة غير العربية مسلكا لها وكانت الدولة العظمى التي حكمت البلاد العربية آنذاك دون منازع يذكر، هي الدولة العثمانية"، وبصورة عامة وفي عهد الدولة العثمانية: "هبط مستوى اللغة العربية فقد راجت اللغة التركية في معظم البلاد العربية، كما نشطت اللهجة الدارجة، وكان ذلك مبدأ التفكك الجغرافي والتشتت العربي..".
وکان لغلبة اللغة غير العربية على الأدب العربي في القرن الحادي عشر وقبله وبعده، وشيوع اللهجات أثر غير قليل على مستوى الأدب المنظوم، ومن سيئات التأثير استخدام الشعراء لمفردات في غير موضعها، وأشار البحاثة الكرباسي لعشر عينات من الاستخدام المغلوط للكلمة العربية، وهذا الاستخدام بطبيعة الحال يصرف البيت عن معناه الحقيقي ويضع القارئ في دوامة البحث عن المعنى الحقيقي دون الظاهر، وبالتالي تتحقق هنا المقولة الشائعة (المعنى في بطن الشاعر) في محاولة لتبرئة الشاعر مما وقع فيه من أخطاء!
وعبر المؤلف عن قناعته ان الطائفية البغيضة والأحقاد المقيتة ساهمتا في ضياع الكثير من شعر النهضة الحسينية، ولكنه يؤكد في الوقت نفسه ان هذا الضياع يعود في بعض أسبابه الى الإهمال وعدم حفظ التراث من قبل الشاعر نفسه أو ورثته أو المدرسة الأدبية التي ينتمي إليها.
ويلاحظ زيادة عدد المطولات من القصائد، وربما تكون المطولة علامة على صحة مسيرة الأدب العربي، لكن الدكتور الكرباسي له رأي آخر، حيث: "ان هذا الديوان طغت عليه – كما في الذي قبله – ظاهرة النفس الطويل كرد فعل على انتكاسة الأدب والشعر في هذه العصور، بل زادت هذه الظاهرة في هذا القرن على سوابقه حيث لم يعهد قصيدة تحتوى على 580 بيتا إلا في هذا القرن".

ثورة شعرية
لكنه لاحظ في الوقت نفسه أن منسوب الشعر الحسيني ومنذ الألفية الهجرية الثانية أخذ بالارتفاع وبشكل ملحوظ، وما جمع لدى المؤلف من قصائد حسينية منذ القرن الحادي عشر وحتى الربع الأول من القرن الخامس عشر الهجري يعادل خمسة أضعاف ما تحصّل لديه في القرون العشرة الهجرية الأولى، وهذا بطبيعة الأمر له أسبابه، ومن ذلك:
أولا: تزايد نفوس سكان المسلمين، وقد أحصى المؤلف سكان العالم في القرن الحادي عشر الهجري فوجدهم نحو نصف مليار إنسان، في حين تجاوز عددهم اليوم بأكثر من ستة مليارات نسمة.
ثانيا: زيادة استبصار المسلمين، والإقرار بمذهب أهل البيت (ع) في أكثر من موقع جغرافي على مدى القرون الماضية، كما ازداد عدد مؤتمرات الحوار بين المذاهب الإسلامية التي ساهمت في نزع فتائل النزاعات الطائفية، ويأمل الفقيه الكرباسي: "أن تعود الأمة في كل مسيرتها الى إتباع الدليل ونبذ الاضطهاد الفكري والاستبداد العقائدي".
ثالثا: تطور وسائل الطباعة والنشر وتنوع وسائل الإعلام وتقدم أدوات المواصلات والاتصالات، وهذا ما ساهم في حفظ التراث النثري والمنظوم.
رابعا: زوال عدد غير قليل من دوائر الخوف التي تلف المجتمعات العربية والإسلامية، مما ساهم في انتشار الأدب العربي بقسميه المنثور والمنظوم، ومنه الأدب الحسيني.
خامسا: ساعد الانفتاح على الآخر وبخاصة بين المذاهب الإسلامية في تنشيط الحركة الأدبية والثقافية، ولذلك فإن الأدب الحسيني لا ينحصر في الشيعة الإمامية بل لا ينحصر في المسلمين، من هنا يعتقد الشيخ الكرباسي جازما انه: "من الخطأ التفكير بان الإمام الحسين (ع) كشخصية وكقضية خاص بفئة دون أخرى، ومن الجهل أن نحصر هذه الشخصية العظيمة وهذه الأهداف العالية بمجموعة دون أخرى، انه امتداد لجده الرسول الذي بعثه الله رحمة للعالمين انه رسول سلام ومحبة الى العالم أجمع، نهض ليفك أسر الأمم من العبودية والظلم".
سادسا: وكرد فعل على إجبار الأتراك الأمم الأخرى استعمال اللغة التركية، نشطت بعد الانهيار حركة الأدب والثقافة العربية في محاولة للعودة الى الذات، وساهمت التحولات السياسية في تنشيط حركة الشعر العربي بعامة والحسيني بخاصة.
سابعا: كسرت القضية الحسينية بما فيها من قضية محورية على علاقة مباشرة بالحرية والتحرر والاستقلال، الحدود العقائدية والجغرافية والقومية واللغوية حتى خارج حدود الدائرة الإسلامية.

مسح أدبي
وأجرى المصنف مسحا أدبيا لقصائد القرن، فلاحظ مشتركات كثيرة، تعتبر السمة العامة لشعراء هذه الفترة، ولعل أهمها:
أولا: التزام معظم الشعراء بتذييل أسمائهم أو عشيرتهم في نهاية كل قصيدة، وان كان هذا الأسلوب ليس بجديد، لكن في القرون الماضية كان بعض الشعراء يلجأ الى هذا الأسلوب وفي بعض القصائد، لكن الظاهرة هنا شائعة لمعظم الشعراء وفي معظم قصائد الشاعر الواحد.
ثانيا: شاع إطراء الشاعر لنفسه وشعره.
ثالثا: شيوع ظاهرة استنهاض المنقذ الإمام المهدي المنتظر، وهذا انعكاس للواقع السياسي المر.
وهناك مشتركات مع القرون السابقة، لكنها في هذا القرن كانت من الوضوح بمكان، منها:
أولا: شيوع ظاهرة التولي والتبري، ويعزوها المحقق الكرباسي الى عامل اجتماعي يرتبط بالوضع الطائفي الذي مارسته السلطات الحاكمة، وعامل فني يرتبط بطول القصيدة فيبحث الشاعر عن مادة شعرية فيفرغها في التولي لأهل البيت (ع) والتبري من خصومهم. وفي اعتقادي ان الصراع المزمن بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية القائم على جنبتي القومية والمذهبية كان أرضا خصبة لإلهام الشعراء في مجال التولي والتبري.
ثانيا: ازداد في هذا القرن عزوف الشاعر عن مطالع الغزل والوقوف على الأطلال، والشروع مباشرة بالرثاء: "بل ان بعضهم استنكر التمهيد بالغزل أو رثاء الأطلال، بل وترفعوا عن التغزل بالحبيب وذكر دياره".
ومن ذلك قول الشاعر اللبناني الشيخ ابن خاتون احمد بن علي العيناثي المتوفى في القرن الحادي عشر، في قصيدة من البسيط تحت عنوان "بمَ استبحتم دمي"، ومطلعها:
دع التصابي بذكر البان والعَلَم ** وذكر سلمى وجيرانٍ بذي سلم
فجيشُ عُمرِكَ وهو مُنهَزِمٌ ** والشَّيبُ وافاكَ بالأسقامِ والهرمِ
مُخبِّرٌ عن قدوم الموت في عجلٍ ** يسعى إليك بلا ساقٍ ولا قدمِ
أو قول الشاعر البحراني حسين بن علي الغريفي (ت 1001 هـ) من الطويل مع المطلع تحت عنوان "سطا دهري عليّ":
فنونُ الأسى للظاعنينَ جُنونُ ** ومَحضُ ضلالٍ والجُنونُ فُنونُ
وليسَ بمُجدٍ ذِكرُ قامةِ بانةٍ ** تثنَّت لها بينَ الرياض غُصونُ
فما فتنتني غادةٌ ضُرِبَت لها ** بِسقطِ اللِّوى أو بالعُذيبِ سُدونُ
ثالثا: كثرة استخدام المحسنات اللفظية. قد تبدو من أول نظرة أنها تصب في صالح العمل الأدبي المبدع، ولكن للمحقق الكرباسي رأيا آخر وان كانت المحسنات اللفظية بنفسها تحتفظ بصفة التحسين والإبداع، وإنما: "هي في الحقيقة جاءت على ما يظهر كرد فعل لتراجع مستوى الأدب في ظل الحكم العثماني بل وضعف اللغة وآدابها بشكل عام وانحسار النتاج الشعري، وشحة البديع منه، وتضاؤل عدد الشعراء وانخفاض معدل النمو الأدبي، وظهور المقلدة، واختفاء المبدعين".
رابعا: تكرر في هذا القرن نقل صورة احتجاج الإمام الحسين (ع) على مقاتليه يوم عاشوراء وإلقاء الحجة عليهم وبيان عدم ارتداعهم عن قتاله رغم قوة حجته وسديد بيانه. وبعض هذه القصائد والطوال منها تحكي قصة النهضة الحسينية قبل وبعد الاستشهاد، مثل قصيدة الشاعر اللبناني راشد بن سليمان الحريري (الجزيري) المتوفى قبل عام 1085 هـ، في مائة وبيتين من الطويل بعنوان: "بنفسي نازحا عن دياره" ومطلعها:
خليليَّ مُرّا بي على أرض كربلا ** نزورُ الإمامَ الفاضلَ المُتفضِّلا
أو قصيدة الشاعر العراقي محمد بن حماد الحلي (ت 1030 هـ) في (46) بيتا من الطويل بعنوان "مصاب شهيد الطف" ومطلعها:
مصابُ شهيد الطفِّ جسميَ أنْحَلا ** و كَدَّرَ من دهري وعيشيَ ما حَلا
وهنا لا بد من التأكيد ان بعض الشعراء حينما يترجم واقعة كربلاء الى كلام منظوم، يقع في خطأ السرد والنقل، كأن يكون الخطأ في الحدث أو النص، فيأخذ البعض بالشعر وينسى اصل الواقعة أو النص، وعندما يتداول الشعر في المنابر الحسينية يتسرب الخطأ الى ذهن المتلقي، وحيث يستسيغ البعض نقل الخطأ لاستدرار العواطف، فان البحاثة الكرباسي يرفض مثل هذا النقل، ولهذا يشير الى مواضع الخلل بالعودة الى أصل الحدث أو النص ولا يتساهل في نقد الشاعر من الماضين كان أو من المعاصرين، ومن ذلك قصيدة محمد بن حماد الحلي من الطويل بعنوان "مصاب السبط"، ففي البيت الثاني والثلاثين قال الشاعر على لسان الإمام الحسين (ع) وهو في معرض الرد على طلب جيش بين أمية:
فقال لهم كُفوا عن الحرب إنني ** أفكر فيما قلتمُ واُطالعُ
ويرد المحقق الكرباسي على متن البيت: "إذ لم يرد عن الحسين (ع) أن طلب من جيش ابن زياد أن يفكر فيما عرضوه عليه من التسليم، فأمره ورأيه واضح من البداية، وما حدث أن عمر بن سعد زحف على مخيم الحسين (ع) عصر تاسوعاء فسألهم الإمام أن يمهلوهم ليلة العاشر من أجل الصلاة والدعاء والإستغفار".

روعة التشبيه
من حسن الشعر وإبداعه انه يقرب المعنى عبر صور وتشكيلات قائمة على ارض الواقع أو في ذهن السامع، فتنطبع مفردات الصدر وعجز البيت في عين المتلقي وعدسة فؤاده مع خلفية موسيقية بنوتات القافية تضفي على المفردة رونقا جديدا، تخرجها من جمودها.
الشاعر العراقي شهاب الدين بن معتوق الموسوي (ت 1087 هـ) استخدم السلاح الأبيض (الخنجر) في تصوير هلال محرم الذي ينحر الكرى والنوم والسبات عن مقلتي الحزين على الإمام الحسين (ع)، فينشد من الكامل بعنوان "هلّ المحرّم":
هلّ المحرّمُ فاستهِلَّ مُكبِّرا ** وانثرْ به دُرَرَ الدموع على الثَّرى
وآنظر بغُرته الهلاَل إذا انجلى ** مسترجعا متفجِّعاً متفكّرا
واقطف ثمار الحزن عرُجونه ** وانحرْ بخنجَره بمُقلتك الكرى
وانس العقيق واُنسَ جيران النِّقا ** واذكرْ لنا خبرَ الطفوف وما جرى
ويصور الشاعر العراقي محمد بن نفيع الحلي (ت ق 11 هـ) قصيدته في الإمام الحسين (ع) كأنها المرأة البكر ويطلب من أهل البيت (ع) الرضا على ان يكون صداقها ومهرها قبول القصيدة، وقبول القصيدة يعني فيما يعني شمول الشاعر بشفاعة أهل البيت (ع) وكرامتهم عند الله وتسجيله في عداد الشعراء المرضيين في الدنيا والآخرة، فينشد من الكامل تحت عنوان: "طوبى لأرض الطف":
لم أستعن في نظمها بسواكُمُ ** كلاّ ولستُ لِمَنْ تقدّم أتْبَعُ
بل هذه بكرُ أتت من فكرَتي ** وقريحتي للبكر دوماً تَقْرَعُ
وقبولُها يا ساداتي مهرٌ لها ** إنْ صحَّ فزتُ بنعمةٍ لا تُقطعُ
ويصور البعض الهموم ككأس والدمع هي المدامة والخمرة، فيطيل البكاء على الحسين (ع) حتى يتهاوى من التفجع، مثلما فعل الشاعر العراقي محمد علي بن احمد الطريحي المتوفى بعد عام 1036 هـ في قصيدة من الخفيف بعنوان: "واشهيداه":
قلَّ صبري وزاد حُزني ووجدي ** فهمومي كأسي ودمعي مُدامي
أضرمَ الشوقُ جذوةً في فُؤادي ** للأسى خلِّ لائمي عن ملامي
وهنا استعارة للآية 39 من سورة يس: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)، حيث شبَّه القرآنُ الهلالَ بالعرجون وهو عذق النخلة اليابس.
أو قول الشاعر العراقي محمد بن السمين الحلي (ت ق 11 هـ) الذي يصور الكأس وما فيه من خمرة الموت، فينشد من الخفيف بعنوان: "هو روحي":
واندبِ السبطَ في الطفوف فريداً ** قد تخلى من مُسعدٍ ومُعينِ
يتمنى لكي يَبُل غليلاً ** شربةً من مُباح ماءٍ معينِ
فسقاه العدوُّ كأسا دهاقاً ** من كؤوس الردى وماء المنون
وهنا استعارة للآية 33 من سورة النبأ: (كأسا دهاقا).

حكمة وعبرة
لا تخلو قصيدة من قصائد النهضة الحسينية من درس أو حكمة أو موعظة، فواقعة كربلاء كلها درس وحكمة وموعظة وعبرة لمن يعتبر، فالحياة صراع دائم، ومن يضحك في آخر المطاف هو الذي يقدم على رب رحيم بقلب سليم.
ومن الحكميات قول الشاعر البحريني عبد الرؤوف بن حسين الجدحفصي (ت 1006 هـ) من الطويل بعنوان "أمناء الله":
ولا تأمَنِ الدَّهرَ الخَؤونَ فشهدُهُ ** مُشابٌ بِسُمٍّ نافذِ السهمِ نافعِ
فكمْ غَرَّ غِرّاً بالمبادي وما درتْ ** مطالعُهُ ماذا ترى في المقاطعِ
ولا تكثرثْ بالحادثاتِ ووقعِها ** فما في ضمان الله ليسَ بضائعِ
وفوِّض لربِّ العرش أمركَ كُلَّهُ ** وَوَجِّهْ لما يُوليكَهُ نَفْسَ قانعِ
ووالِ خِتام المرسَلين وآلَهُ ** لتسعى بنورٍ عن يمينِكَ ساطعِ
أما نجله الشاعر احمد بن عبد الرؤوف الجدحفصي، فينشد من الطويل بعنوان "لا تأمن الدهر":
هو الدهر طوْراً للنفائيس واهبٌ ** إليكَ وطوْرأ للنفيسة ناهبُ
فلا تأمنَنَّ الدهر في حال سِلمِه ** فكم علقتْ بالآمنين المخالبُ
فكم راعني من صرفه بروائعٍ ** تُهدُّ لها منّي القُوى والمناكبُ
ولكننّي مهما ذكرتُ بكربلا ** مُصاباً إذا ما قُصَّ تُنسى المصائبُ

ثروة أدبية
ضم الجزء الأول من "ديوان القرن الحادي عشر" المنظوم في النهضة الحسينية (80) قصيدة وقطعة لـ (42) شاعرا، وهم:
أبو بكر بن منصور العُمَري (ت 1048 هـ)، احمد بن شاهين القبرسي (ت 1052 هـ)، أحمد بن عبد الرؤوف الجدحفصي (ق 11 هـ)، أحمد بن علي (ابن خاتون) العيناثي (ت ق 11 هـ)، احمد بن غفار المالكي (ت 1009 هـ)، أحمد بن مسعود الحسني (ت 1041 هـ)، جعفر بن محمد الخطي (ت 1028 هـ)، حسن بن زين الدين العاملي (ت 1011 هـ)، حسن بن علي الهبل (1079 هـ)، حسين بن حسن الغريفي (ت بعد 1001 هـ)، حسين بن شهاب الدين الكركي (ت 1076 هـ)، حسين بن علي الغريفي (ت 1001 هـ)، حسين بن علي المدني (ت 1090 هـ)، داوود (ابن أبي شافين) بن محمد البحراني (ت 1017 هـ)، درويش بن محمد الطالوي (ت 1014 هـ)، راشد بن سليمان الحريري (الجزيري) (ت قبل 1085 هـ)، شهاب الدين بن معتوق الموسوي (ت 1087 هـ)، عبد الرؤوف بن حسين الجدحفصي (ت 1006 هـ)، عبد العزيز بن محمد الفشتالي (ت حدود 1032 هـ)، عبد الوهاب بن محمد علي الطريحي (ق 11 هـ)، علي بن حسين السبعي (ق 11 هـ)، علي بن خلف الحويزي (ت بعد 1087 هـ)، علي خان بن خلف المشعشعي (ت 1088 هـ)، عمر بن عبد الوهاب العرضي (ت 1024 هـ)، فتح الله (ابن النحاس) بن عبد الله الحلبي (ت 1052 هـ)، فخر الدين بن محمد علي الطريحي (ت 1085 هـ)، فرج بن محمد الاحسائي (ت ق 11 هـ)، لطف الله بن عبد الكريم العاملي (ت 1035 هـ)، ماجد بن هاشم الجدحفصي البحراني (1028 هـ)، محمد بن الحسن العاملي (ت 1030 هـ)، محمد بن حسين البهائي (ت 1031 هـ)، محمد بن حسين السبعي (ت 1011 هـ)، محمد بن حماد الحلي (ت حدود 1030 هـ)، محمد بن السمين الحلي (ق 11 هـ)، محمد بن محمد العيناثي (ت 1085 هـ)، محمد بن محمد المرابط (ت 1089 هـ)، محمد بن نفيع الحلي (ق 11 هـ)، محمد رفيع بن مؤمن الجيلي (ت حدود 1079 هـ)، محمد علي بن أحمد الطريحي (ت بعد 1036 هـ)، محمود بن أحمد الطريحي (ت بعد 1030 هـ)، موسى الرامحمداني الحلبي (ت 1089 هـ)، ونعمان الأعرجي (ق 11 هـ)
كما احتوى الديوان 31 فهرسا في أبواب تهدي القاري والباحث الى مصفى المعلومة، مع عرض باللغة الكردية للعراقي الدكتور جمال جلال عبد الله تناول في المقدمة النهضة الحسينية وشخصية الإمام الحسين، ورأى أن الحسين (ع) إنما نهض بشجاعة وبسالة في سبيل إعلاء كلمة الحق وإعادة الروح الى جسد الأمة ورفع راية الحرية عالية. وأثنى على دائرة المعارف الحسينية التي تفرّغ لها آية الله محمد صادق الكرباسي لإحياء تراث النهضة الحسينية. ووجد الدكتور جمال عبد الله ان هذا الديوان بما فيه من تحقيق وبحث وشروحات يعتبر ثروة أدبية.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن
[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  أسرار حركة الأجرام السماوية في تنظيم الحياة اليومية

 ::

  قادمون من وراء النهر يعرضون بشاطئ الفرات بضاعتهم المقفاة

 ::

  أدباء من الزمن القريب يحطون بوجعهم عند أبواب كربلاء

 ::

  هل تتعايش الدولة الإسلامية مع نظام الحكم الذاتي؟

 ::

  كيف يبدو الإمام الحسين في عدسة الآخر؟

 ::

  الأقليات المسلمة ترسم الجغرافية السياسية ديمقراطيا

 ::

  الانتخابات بين دائرتي الحق والواجب

 ::

  المدارس الفقهية والتكامل الحضاري.. تمظهر النص والواقع

 ::

  ملاك الشعر وشيطانه بعيون فقهية معاصرة


 ::

  الكتب هي الأولى في هدايا الهولنديين للنجاح والإجازات

 ::

  التدين الشيعي.. فرز بين خطابين

 ::

  العقرب ...!

 ::

  قرغيزستان , طريق المضطهدين في العالم العربي

 ::

  كن أقوى من منتقديك وواصل طريقك ..

 ::

  إسرائيل في مواجهة الوكالة الدولية للطاقة الذرية

 ::

  لماذا يكره قادة بعض الدول العربية الاسلام

 ::

  الجبهة الشعبية ،،،الرفاق عائدون

 ::

  بعد العراق بلاك ووتر في الضفة الغربية

 ::

  عقوبة الإعدام .. رؤية إسلامية



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.