الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



حين تترجم الارقام جحيما أسمة غزة
بقلم :    سامية بلقاضي


   الحديث عن المأساة الإنسانية والإبادة الجماعية المبرمجة في قطاع غزة لا يمكن إيصالها بكلمات لقارئ على بعد آلاف الكيلومترات، ومع ذلك لا بد من نقل وقائع هذه المأساة وتقريبها من مخيلة الرأي العام حتى لا يكون مجرد حديث وكلمات يصعب استيعابها•
   ولن نجد أحسن من لغة الأرقام للتأكيد على مدى بشاعة الأوضاع الذي بلغها القطاع المحاصر واستحالة الحياة•
   سنحاول من خلال سرد حقيقة الوضع بالأرقام، فهي موضوعية وحيادية لا تكشف عن أي تعاطف أو مبالغة ليتأكد بعد ذلك للقارئ أن استمرار الحياة في غزة بمثابة الإعجاز وتجسيد للإرادة الإلهية، لأن المعايير الإنسانية تشير إلى استحالة الحياة في مثل هكذا ظروف• والأرقام الموضوعية تشير إلى أن الكثافة السكانية في غزة بلغت أرقاما قياسية غير مسبوقة في العالم، على اعتبار أن منطقة جباليا، شمال القطاع تصل لحدود 10 ألف نسمة في الكيلومتر الواحد•
   والسبب في الاكتظاظ السكاني يعود بالدرجة الأولى لمحدودية التنقل بفعل الحصار، سيما إذا علمنا أن المساحة الجغرافية لقطاع غزة عبارة عن شريط ساحلي طولي لا يتجاوز 360 كيلومتر مربع ما زاد الطين بلة إقدام سلطان الكيان الصهيوني على توسيع القطاع الأمني باتجاه العمق الغزي بحوالي 10% من إجمالي المساحة الكلية من القطاع•
   على اعتبار أن الحدود بين غزة وبقية الأراضي المحتلة من طرف إسرئيل يفصلها شريط أمني لا يسمح للغزاويين من استغلال تلك المساحة الأرضية في أي نشاط يذكر، وإلا طالتهم نيران الصهاينة• هذا الشريط ساهم في تقليص الأراضي الزراعية التي تعاني هي الأخرى من تأثيرات الاعتداءات الإسرائيلية، فالدراسات المنجزة من طرف منظمات دولية في القطاع تؤكد التلوث الذي تعاني منه التربة في القطاع• بهذا الخصوص يرى نبيل المبحوح، خبير في حكومة السلطة الغزية أن التربة في القطاع تحوي أكثر من 30 مادة سامة بفعل العمليات الاعتدائية الإسرائيلية، مع العلم أن التقارير تؤكد أن الحرب الإسرائيلية على القطاع، والتي دامت قرابة 22 يوما خلفت 3 ملايين كيلوغرام من المواد المتفجرة، لعل أخطرها الفوسفور الأبيض المتناثر في الهواء، التربة والماء•
   على ذكر الماء، فإن المياه الجوفية في القطاع تعرف انتشار المواد السامة، حيث أن 90% من الآبار لم تعد صالحة للشرب• الخطير في الأمر أن النفايات البيولوجية الناتجة عن الاعتداءات الهمجية للجيش الإسرئيلي بات تؤثر على المدى الطويل في صحة الغزاويين، فقد أكدت التقارير الطبية أن الأسلحة البيولوجية تستمر في تشكيل تهديد جدي على صحة السكان، وذلك بعدما اتضح أن هذه المواد السبب الرئيسي في ظهور إعاقات من نوع جديد في القطاع يعجز الأطباء عن علاجها أو حتى التعرف على طبيعة هذه الإعاقات• هذه الوضعية الصحية المتدهورة تقابلها ظروف معيشية أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها غير إنسانية بالنظر لعدد المتعطلين عن العمل، نقول متعطلين وليس عاطلين، لأن أهل غزة لا يعتبرون كلمة عاطل عن العمل تفي الوضعية حق المعنى، على اعتبار أنهم أجبروا على ترك مناصب شغلهم•
   فبعد أن كان حوالي 120 ألف عامل غزاوي يزاول نشاطه المهني في إسرائيل اضطروا لترك مناصبهم بفعل الحصار، ليجد كل هؤلاء أنفسهم دون عمل بين عشية وضحاها ودون معيل لعشرات الآلاف من الأسر التي أضحت في عداد من يعانون الفقر المدقع، فالجدير بالذكر أن الأسرة الغزاوية تعيش بأقل من 10 شيكل في اليوم ما يعادل 2.5 دولار، ما يعني وفقا للمقاييس العالمية أنها تحت خط الفقر• والمثير أن العدد القليل من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي كانت تنشط في القطاع قبل الحصار والبالغ عددها 3500 مصنع ومنشأة صناعية صغيرة أطرت للغلق بفعل الحصار والحروب داخل القطاع، فكانت تلك الضربة القاضية لأي نوع من الحياة الكريمة للغزاويين، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين للاعتماد على الزراعة المعيشية الجوارية والمساعدات الدولية الشحيحة المقدمة بين الفترة والأولى، على أن الأنفاق بالرغم مما توفره من بضائع إلا أنها تتطلب الأموال لاقتنائها، وهو ما لا يتوفر عليه الغزاويون•
   في مقابل هذه الوضعية المتردية، يستمر الحديث عبر وسائل الإعلام العالمية عن ضرورة رفع الحصار وإعادة إعمار قطاع غزة بعد الدمار الشامل الذي لحق به• والحديث عن إعادة الإعمار يطول بطل فترة الحصار، فالحديث اليوم في المجلس التنسيقي لإعمار غزة يدور حول التأكيد على خطورة الوضع العمراني بعدما تم تهديم ما يقارب من 3400 منزل في القطاع بشكل كامل• والحق أن هذا الحديث عن الدمار والبنايات المهدمة قد لا يمكن وصفه لمن لم ير، وهو ما حدث معنا، حيث سمعنا أشياء كثيرة عن الدمار والخراب العمراني من الغزاويين، غير أننا لم نكن نتصور أنه بالإمكان أن يبلغ الدرجة التي وقفنا عليها في العديد من أحياء القطاع• فقد كنا نمر على أحياء لا نكاد نشاهد فيها غير المساحات الأرضية الواسعة، لا شيء فيها يدل على وجود عمران، أي نوع من البنايات بالرغم من تأكيدات مرافقنا أن المساحات الأرضية الواسعة كانت تضم أحياء ومنازل ومدارس وغيرها من البنايات التي تعج بالحياة، وهو الحال مع مساحة أرضية واسعة تطل على البحر لتتأكد من وجود عمران عليها في وقت سابق لولا بعض المخلفات من حديد وردم متبقي• عند السؤال عن طبيعة المكان قيل لنا أن الأرض كانت تضم الجامعة الأمريكية بالقطاع، وأن طيران العدو الإسرائيلي أقدم على تفجير وقصف البناية بالكامل لدرجة لم يتبق منها غير الأرضية•
   المدهش أن الغزاويين في حركة منظمة يقومون بتجميع الحطام والتخلص منه في ورشات لرسكلة المواد، إذ يتم استخراج الرمل، الحصى والحديد من البنايات المهدمة لدرجة تجعل الزائر بالكاد يلحظ أن تلك المساحات كانت تضم بنايات• بهذا الخصوص، تشير التقارير الرسمية أن حجم الركام الناتج عن التهديم بلغ حوالي مليون و100 ألف طن متراكم عبر القطاع، في حين أن عمليات إعادة إزالة الركام بلغت نسبة 70%• مع العلم أن القطاع تكبد خسائر مرتبطة بالعمران والعقار بلغت المليار دولار مع ضرورة الإشارة إلى أن عدد العائلات التي وجدت نفسها دون مأوى قار بلغ حوالي 325 ألف مواطن متضرر•
   الجدير بالذكر أن القطاع في الوقت الحاضر في حاجة إلى ما يعادل 200 ألف طن من الإسمنت• بالرغم من هذا العوز الشديد تصر السلطات الإسرائيلية على منع إدخال أي نوع من مواد البناء، بحجة أنه يستخدم في صنع المتفجرات• عائلة صبحي، خمسيني وجدناه بالقرب من مكان إقامتنا بفندق الكومودور بغزة، غير بعيد عن الميناء، أكد لنا أنه يعمل كل يوم على ترقيع ما يمكن ترقيعه في البيت: ''الحمد لله، إن كل الرجال عندنا بيشتغلوا كويس بإيديهم وإلا الله يعينا كنا نام بالشارع مع كل العيلة• أنا شخصيا أقوم كل يوم مع ولادي بترقيع وتصليح شي جديد في البيت، مو بيتي بس بيت كل الجيران والأقارب• امبارح صلحت الباب ما كان يتسكر•
   هي الأيام نحمد الله لأن الجو هادي والنسمة حلوة ما في مشكل إن بتنا برا• لكن بزمانات المطر ما يمكن أحكي وضعية صعبة جدا، الماء يدخل على البيوت من كل النواحي من فوق من تحت، السنة الماضية قضينا كل فترة الشتا واحنا نصلح• أولاد أولادي كلهم تعبوا من المرض بسبب البرد• ما فينا نصلح بشكل جدي لأن ما في مواد وإن كانت موجودة في السوق من هاذيك اللي يجبوها عبر النفق، لكن غالية ما فيني أشتري ولو كيلو اسمنت''• والحال أن العديد من العائلات الغزاوية تعيش في بيوت تكاد تقترب من البيوت القصديرية، والأمر لا يقتصر على المخيمات التي تعد أحياء القصدير والبنايات الهشة، بل بات الأمر يشمل البنايات الحديثة والفيلات التي أصابها جانب من دمار القصف، فقد أكد لنا صاحب واحد من هذه البنايات بالقرب من مكان تواجد الأنفاق أن الطيران البنايات صارت هشة لدرجة أنه بمجرد تحليق طيران العدو على مسافة قريبة يشرع المنزل في التزعزع، بهذا الخصوص يقول عامر الذي استقبلنا رفقة زوجته بفيلا تبدو جميلة من الخارج: ''أنا شوف كل يوم كيف تتحول فيلا أنفقت عليها مدخرات عملي بالخارج لعقود من الزمن إلى حطام، فكل يوم يمر تخبرني زوجتي أو واحد من أبنائي عن مكات تصدع جديد في البيت•
   المشكل أن المنزل بالقرب من المنطقة الحدودية حيث تكثر الأنفاق، وبالتالي فإن الأرض تتعرض لكثير من الهزات، سيما تأثيرات الطيران الإسرائيلي• لا أخفيك إن قلت إن البيت لم يعد يحميني بقدر ما بات يهدد حياتنا، وليس لدينا ما يمكن أن نرممه ونقوم بالأشغال اللازمة، نستنى الفرج من عند الله''، وهذا الحال بالنسبة لكل سكان غزة بين من لا يملك بيتا يأويه وبين من يملك بيتا متصدعا'' يملك القدرة على ترميمه•
   مخيم الشاطئ، حيث يقطن رئيس وزراء القطاع اسماعيل هنية واحد من تلك الأحياء التي تتأكد وأنت تمر بالقرب منها من ناحية البحر أن المنطقة بالفعل تبدو منكوبة وفي حاجة مستعجلة لإعادة الإعمار• هذه الوضعية العمرانية تضاف إلى ارتفاع الكثافة السكانية جعلت من القطاع تبدو كالسجن المكتظ والقابل للانفجار في أي وقت، للإشارة، فإن قطاع غزة يشهد ميلاد ما يقارب الـ 50 ألف مولود سنويا، حيث تخبرك العائلات أنها طريقتهم في مقاومة الإبادة المبرمجة التي تطبقها اسرائيل، إما بالتقتيل، التهجير أو السجن•
   غير أن تضافر كل هذه المعطيات بدءا بالحصار، الكثافة السكانية القياسية، غياب موارد الرزق، الأمراض المتفشية وغيرها من عوامل الاضطهاد جعلت غزة تعيش على وقع كارثة إنسانية في ظل تجاهل دولي مخزي، حتى تلك الفسح الطبيعية التي كان يمكن للبحر أن يكون عامل تفريج عن كربة الغزاويين بات يشكل تهديدا آخر بعدما قلصت السلطات الإسرائيلية من مساحة الصيد، فلم يعد للبحر من معنى سوى للأطفال المستمرين في اللهو في رماله وبمياه في رد فعل مصر على الحياة والاستمرار في التمتع بالحياة عنوة ونكاية بكل من أراد لهم الموت والاندثار•
   
   
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .