الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



غزة تحاصر الحصار وتنتصر
بقلم :    سعيد صبح


   عندما نتحدث عن غزة لا نقارنها بمدينة عادية ولا بأسطورة تاريخية وهمية كتب عنها القصاص والشعراء وأصحاب العلم والمعرفة، فهي ليست مثل باقي المدن في التاريخ كونها تمثل حالة فريدة في موقعها وتاريخها منذ أقدم العصور.
   لقد كانت محطة مهمة لقوافل التجار ومكانا آمنا تهوي إلية النفوس المتعبة من عناء الترحال والغزوات والسفر من آسيا إلى أفريقيا وبالعكس، إنها مدينة أصبحت قطاعا وشريطا ساحليا حيويا وموقعا استراتيجيا مهما بأبعاده الأربعة.
   التي جعلت من المكان والزمان تاريخا مميزا عبر كل الحقب التي تعاقبت على هذا الجناح العظيم من وطننا الكبير الذي شكل مركزا للتواصل بين الحضارات القديمة والغزوات التي كانت تصطدم دوما وتقف شاهدة عند حدوده.
   فالحصار الذي ُيدمي قلوبنا ونحن عاجزين عنه أمام هذا الكم من التآمر الذي لم يشهد له التاريخ أن تبقى بقعة جغرافية محاصرة ولسنوات عجاف من القريب ومن البعيد، من عدو ٍ خبرناه وعرفنا ما يرمي إليه من الحصار، وصديق وأخ ُيثلجنا بالكلام العربي والمحبة المفرطة لدرجة الموت البطيء.
   لكن المعادلة الصعبة والمعقدة بوجهها القبيح ومضمونها الأقبح يتصدى لها أبناء غزة بالصمود والصبر والإباء والشهامة التي قل نظيرها في عالم اليوم، رغم الجوع والمرض والفاقة التي لم يسبق لها مثيل من ظلم العدو ومن ذوي القربى.
   فبقيت رغم الحصار والإجرام غزة هاشم صامدة عصية على فكرة النازية التي كانت عنوانها القصدير المصهود عند احتلالها لأي مدينة، وتكنت فيه الصهيونية بعدوانها وسمته الرصاص المصبوب (الإسرائيلي) حيث لم تختلف الحكاية والصورة عن الفاشية والعنصرية النازية لأنها تنهل من معين واحد.
   اليوم غزة كما الأمس القريب والبعيد بوابة متعددة المهام فهي مدخل أفريقيا كما كان يحلو لنابليون بونابرت تسميتها و(دهليز الملك) عندما عرف عنها الظاهري من قبل وعبر التاريخ القديم كانت ميدان للمعارك الفاصلة بين الأسر الفرعونية والآشورية وبين البطالمة والسلوقيين في العصر اليوناني.
   مركزها التاريخي جعل من الاستيلاء عليها من قبل الجيوش الفرعونية قمة الانتصار لأن ذلك كان يعني السيطرة على عقدة إستراتيجية مهمة و قد استمرت الغزوات تمر عبر هذا القطاع العظيم طيلة الفترات الرومانية والبيزنطية والعربية الإسلامية والمغول والصليبيين والمماليك والعثمانيين ودول الحلفاء في الحربين الكونيتين الأولى والثانية ومع الغزوة الصهيونية اليوم.
   فلغزة تاريخ حافل عندما أنشأ أجدادنا العرب الكنعانيون المدينة التي أصبحت تحمل اسم غزة في الألف الثالثة قبل الميلاد، ولأهميتها ومكانتها العسكرية والتجارية كانت ُتحاصر من كل الغزاة أيام الفراعنة والأشوريين والبابليين وعرفت بالحصار الشهير عليها أيام الإسكندر الأكبر والبطالمة والسلوقيين وأنقذها العرب الأنبار عام 150ق.م .
   غزة عبر التاريخ تعرضت لكل أنواع الحصار وقد تجلت مكانة غزة وأهميتها في العصر الحديث، خلال نضال وكفاح الأمة العربية ضد الغزو الاستعماري لبلادنا فلم تقف مكتوفة محاصرة وتندب حظها.
   بل صنعت تاريخا مجيدا يعتز فيه كل عربي ومسلم وُحر حول العالم، لأن من جعل الحصار سلعة لغاياته حولته أسطورة الصمود في غزة إلى ُمحاصَر.
   لم يعد أهلنا بحاجة للمساعدة المشروطة رغم ضنك العيش فهم يبنون مداميك الحرية لكل فلسطين ويصنعون وسائل تقنية بسيطة عجزت عنها دول تمتلك الإمكانيات الضخمة، لأن إرادة الحياة عند الإنسان في غزة العزة فاقت كل تقنيات العصر الحديث، وهذا ما يشهده قطاعنا الحبيب الذي أصبح منارة للحج من كل أحرار العالم.
   إن تطور الأداء الكفاحي على المستوى العالمي أذهل كل الأطراف التي تشارك في ما يسمونه الحصار الذي كانت أهدافه المباشرة إسقاط نهج المقاومة، لكن الحقيقة الأكثر ثباتا أنه كلما أوغل الأعداء في جرائمهم وعدوانهم وحصارهم، كلما نجحت قوى التغيير والمقاومة في استنباط وسائل عملية لكسر كل أنواع الحصار.
   ولن تعدم القوى الإنسانية والمحبة للخير والحرية والمحبة والسلام الوسائل التي ستجبر المحتل والغاصب للإذعان لصحوة الضمير العالمي التي طالما انتظرناها بفارغ من الصبر، بعد أن انكشف كل المشاركين في جريمة الحصار المؤلم والذي فاق جرائم النازية في القرن الماضي.
   لقد بدأت بشائر الحرية على مستوى شعوب العالم تظهر بقوة وعنفوان متحدية الصلف الاستعماري الذي تمثله جريمة العصر الحديث ما يسمى "بإسرائيل"، ولم تعد لأمريكا وأعوانها اليد الطويلة في إذلال شعوب المنطقة ومحاصرتها.
   ما حققته قافلة أسطول الحرية رغم الدماء الزكية الطاهرة، أكبر بكثير مما فعلته أربع سنوات من الحصار والعدوان، ولم يعد أحد قادرا على تبرير جريمة الحصار الظالم الذي ترعاه زعيمة الإرهاب في العالم.
   إن من يتداعون اليوم ويذرفون دموع التماسيح على حصار غزة لن تنفع معهم كل المطهرات ولن تغسل عارهم الذي بانت سوءاته مع أول تحدي مباشر من شعوب العالم التي تضامنت مع أسطول الحرية الذي خلق حالة من الجدل في كل الأوساط التي تدعي حرصها على حقوق الإنسان وتدافع عن الديمقراطية والحرية.
   غزة بكل ما تعنيه من ثبات على المبادئ والقيم الوطنية والدينية الإنسانية، باتت تمثل الضمير لكل شعوب الأرض المستضعفة والمحاصرة، وهي الميزان للعدل من عدمه في زمن الإجرام الصهيوني والدعم الأمريكي والغربي الغير محدود وتخاذل ذوي القربى.
   غزة تمكنت من إحياء العوامل الإقليمية الداعمة والمساندة لحقوق الشعب الفلسطيني في المحيط العربي المتهالك والمحاصر بأنظمة قمعية بوليسية تمارس الإذعان والقبول بما ُتمليه أمريكا عدوة الإنسانية على الحكام الذين ينفذون أوامر أسيادهم.
   غزة المقاومة أعادت أمة عظيمة إلى تاريخها ودورها ومكانتها بعد أن كانت في أحضان الصهيونية، ظهر المارد بأمته التركية ليقول لا لحصار غزة، والقدس كما هي اسطنبول من حيث المكانة والدلالة.
   غزة العظيمة بقطاعها الذي صمد ومنع الاحتلال من العودة إليها مجددا بعد اثنان وعشرون يوما من التضحيات والصمود، ستبقى عصية على الحصار وعلى شروط الرباعية المذلة .
   وستثبت للعالم أن الديمقراطية تبنيها جماهير المقاومة القادرة على البناء وإحياء تاريخنا المجيد الناصع رغم كل أنواع الحصار والتفنن فيه، فإن ابتداع المواجهة العالمية لفك الحصار مشروع يمكن البناء عليه لرفد المقاومة بكل أسباب القوة.
   الحصار والاحتلال إلى زوال لأن غزة ستكون بوابة التاريخ لعالم كل الأحرار والمحبين للخير والسلام الذي ُيعيد الحق، وما صحوة تلك السيدة الأمريكية التي شارفت على التسعين من عمرها التي كانت تتربع في قلب السياسة الأمريكية إلا بداية لصحوة وإن كانت متأخرة، فهل يصحو رئيس السلطة ويكتفي بآخر أيامه ولا يبيع مواقف للصهيونية ؟
   غزة بدأت ُتحاصر ولم تعد ُمحاصَرة فالمعادلة انقلبت، لأن تاريخ غزة العزة تاريخ مهره الدماء يتدفق في شرايين كل أحرار العالم والقوى المحبة للخير والسلام، وقد بدأت لحظة الحقيقة ُتواجه كل المراهنين على سراب التسوية وعبث المفاوضات.
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .