الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



العدوان على غزة .. إيجابي
بقلم :    إيهاب السيد

أعاد العدوان الصهيوني الوحشي على قطاع غزة الاعتبار لمجموعة من الأسس والحقائق التي غابت عن أعين الكثيرين في السنوات الماضية لأسباب عدة منها تراجع حدة وأهمية الصراع العربي الصهيوني أمام ابتلاءات كثيرة وعديدة شهدها العالم العربي بدءاً من غزو الكويت عام 1990 ومروراً بأزمات السودان والصومال واحتلال أفغانستان ثم العراق. هذا التراجع في أهمية ومحورية الصراع جعل الكثيرين يتناسون أن القضية الفلسطينية تظل فعلاً لا قولاً هي القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية. كما أن جيلاً من الشباب العربي نشأ بين عامي 1990 و2008 لم يعد يهتم بالشأن العام عموماً فضلاً عن اهتمامه بالعمل السياسي أو القضية الفلسطينية، وأدى ذلك إلى عدم وعي وإدراك هؤلاء الشباب بجذور القضية الفلسطينية وأسبابها وأهميتها والخطر الذي يشكله العدو الصهيوني على الأمة العربية عامةً وليس على الشعب الفلسطيني وحده.
   
   من هنا كانت أبرز إنجازات هذا العدوان هو إعادة الاعتبار لكون القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني. إنها قضية شعب يكافح ويجاهد من أجل تحرير الأرض والإنسان، من أجل أن يحيا على أرض وطنه حياةً كريمةً ويمارس حقوقه كاملة غير منقوصة. تعامل البعض مع القضية الفلسطينية في تلك السنوات العجاف على أنها قضية شعب لاجئ –داخل وخارج الوطن- وأن أقصى المطلوب وربما الممكن هو تأمين المساعدات الإنسانية لهؤلاء اللاجئين من غذاء وكساء وأدوية، وربما بناء منزل أو مسجد أو مدرسة أو عيادة. كانت هذه نظرة المتعاطفين مع الشعب الفلسطيني، فما بالك بمن يخاصمونه.
   
   خاضت الثورة الفلسطينية المعاصرة بقيادة حركة فتح معارك ضروس منذ نشأتها عام 1965 وحتى عام 1990 من أجل تثبيت الهوية الفلسطينية وتحويل القضية الفلسطينية من قضية لاجئين يعتاشون على مساعدات وكالة الغوث إلى قضية شعب يناضل من أجل حقه في الحياة الكريمة على أرضه الحرة وإنشاء دولته المستقلة. ورغم الكثير من الملاحظات على أداء حركة فتح في مراحلها المختلفة إلا أنها نجحت في هذا الهدف وأضحت صورة الفلسطيني مرادفة في ذهن العالم كله لصورة الفدائي المقاتل من أجل الحرية. تطلب هذا الأمر مجموعة من الحروب الكبيرة والصغيرة وأعداداً هائلة من الشهداء والجرحى تقدر بعشرات الآلاف.
   
   الحقيقة الثانية التي أثبتها وأكدها هذا العدوان الهمجي، وهي حقيقة طالما تحدث عنها الفلسطيني منذ عام 1967، هي أنه يموت على أرضه ولا يتركها. حقيقة أن أعداداً كبيرة من الفلسطينيين تركوا أراضيهم في عام 1948 –قهراً وطوعاً- لأسباب متعددة، إلا أنهم تعلموا الدرس فكانت الهجرة بتأثير نكسة 1967 أقل عدداً، وكانت أخر الهجرات الجماعية. تحولت الثقافة الفلسطينية تدريجياً منذ الستينات إلى ثقافة تعزز وتغرس حب الوطن والأرض وتؤكد ارتباط الفلسطيني بمنزله وأشجاره وزيتونه. لم يعد يفكر في الهجرة والنزوح بل أصبح يحارب على أرضه من أجل التحرر والاستقلال. بدا هذا واضحاً في انتفاضة الحجارة عام 1987 والتي بينت للعالم كله أن ثقافة المقاومة أفلحت في تربية جيل لم يعرف سوى الاحتلال، لكنه جيل قرر أن الأسلوب الأمثل للتعامل مع هذا الاحتلال –من واقع الخبرة به- هو المقاومة بشتى السبل والوسائل المتاحة، وكانت حينها الحجارة.
   
   في العدوان على غزة لم نرى جموع المدنيين العزل تهرب باتجاه الحدود محاولة اقتحامها لتهرب من جحيم القصف العشوائي وقنابل الفسفور الحارقة. لم نرى الأطفال والنساء يهرولون باتجاه الدول المجاورة على غرار ما يحصل في كل مناطق الحروب في العالم، بل على العكس كانت روح الصمود هي السائدة بإصرار عجيب وإيمان واثق بأن لا مجال للانهزام وأن الصحيح هو أن نصمد على أرضنا ونتحدى العدو ونفشل مخططاته في كسر الإنسان الفلسطيني. بعد هذا الصمود الأسطوري لمليون ونصف المليون فلسطيني في غزة لم يعد بمقدور أي كان أن يدعي أن الفلسطيني يتخلى عن أرضه فقد صدح صوت الشعب عالياً نموت ولا نرحل.
   
   الحقيقة الثالثة التي برزت من بين صور المعركة هي أن الشعب الفلسطيني هو في النهاية ورغم كل المؤامرات والضغوطات والتسويات شعب موحد يملك نفس الأهداف والأحلام ويتكاتف عند الملمات. بدت وحدة الشعب الفلسطيني واضحة في توحد كافة أطياف المقاومة على أرض العزة، لكنه بدت أوضح وأنقى في المظاهرات والمسيرات والاشتباكات وشتى أشكال التضامن الأخرى التي شهدتها الضفة الغربية بكل مدنها وقراها، والأراضي المحتلة عام 48 في العديد من المدن والقرى والبلدات، وحتى فلسطينيو الشتات سواء في الدول العربية أو الغربية. هذا الشعب الذي تفرقت به السبل أو أريد لها ذلك لم يستسلم وظل في داخله شعباً واحداً لا فرق فيه بين فلسطيني يحيا في الضفة وبين أخر يعيش في غزة أو القدس أو الناصرة وحيفا أو مخيم شاتيلا في لبنان أو مخيم الوحدات في الأردن أو فلسطيني أخر يقيم في أوروبا أو دول الخليج العربي. كلهم شعب واحد وكلهم مصابهم واحد ومطالبهم واحدة. إنه الشعب الفلسطيني يعود بقوة إلى المشهد السياسي في إطار المقاومة والكفاح من أجل حق تقرير المصير وحق العودة.
   
   يقودنا هذا إلى الحقيقة الرابعة التي لا تخفى عن أعين المراقبين والمتابعين والسياسيين، وهي أن هذا العدوان أعاد البريق لنهج وثقافة المقاومة، سواء كانت مقاومة شعبية أو مسلحة. عانى الشعب الفلسطيني الكثير تحت الاحتلالين البريطاني والصهيوني، وهو يقاوم منذ قرابة المائة عام. ظن البعض –أو راهن- على أن الشعب الفلسطيني قد تعب أو سأم من النضال، وخصوصاً بعد اتفاقية أوسلو والمرحلة التي تلتها. فقد حظي التيار الداعي إلى تجربة فكرة استعادة الحقوق بالسلام والتعاون والتفاوض مع العدو بفرصة كبيرة امتدت على مدى سنوات قاربت الخمسة عشر. كانت حصيلة هذا النهج المزيد من تكريس الاحتلال عبر مصادرة الأراضي وبناء المزيد من المستوطنات وازدياد عدد المستوطنين في الضفة الغربية ومحاصرة القدس وتقدم مساعي تهويدها.
   
   نتيجة لذلك قرر الشعب الفلسطيني، في غالبيته، العودة إلى خيار ونهج المقاومة الذي رغم التضحيات التي يتطلبها إلا أنه أثبت أنه الأقدر على مقارعة العدو وحفظ ما تبقى من الحقوق واسترجاع ما سلب منها. هذه النتيجة أصبحت واقع الحال عند الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية بالذات لأنه كان أكثر من عانى من الاستيطان والجدار والحواجز وتقطيع الأوصال وتدمير البنية الاقتصادية، رغم كل ما قيل له عن الرخاء والازدهار القادم.
   
   اليوم وبعد أن عادت القضية إلى محورها الأصلي كقضية تحرر وطني وأصبحت المقاومة هي خيار الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني، أصبح من واجب كل القوى الوطنية والقومية والإسلامية العربية وكافة قوى التحرر في العالم أن تدعم خيار الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة بغض النظر عن الجهة التي تحمل لواء المقاومة وتقودها. نعم إن حركة حماس هي التي تتبوأ مقعد الصدارة اليوم في المقاومة، وقبلها كانت حركة فتح وكنا ندعمها لذات السبب. يجب أن يكون الدعم العربي الشعبي والأدبي والثقافي لحماس منطلقاً من مبدأ دعم المقاومة الفلسطينية بغض النظر عن من يحمل لوائها، حتى وإن اختلفنا مع حماس في فكر أو أيديولوجيا أو اختلفنا معها في التفاصيل. فالأصل أن يقف أحرار وشرفاء العالم والقوى القومية والديمقراطية مع خيار الشعب الفلسطيني وحقه الطبيعي في مقاومة الاحتلال ونيل الحرية والاستقلال. هذا الموقف تبنته فعلاً شخصيات عربية بارزة تختلف مع حماس في الأيدولوجيا ولها عليها ملاحظات مثل المفكر العربي الفلسطيني القومي د. عزمي بشارة والمفكر العربي المصري محمد حسنين هيكل، وكلاهما لا يقتربان بأي حال من الأحوال من المنطلق الإسلامي التنظيمي لحركة حماس، إلا أنهما وغيرهم الكثير بالطبع، يقفون مع حماس من حيث هي الفصيل الفلسطيني المقاوم الأبرز، ومن قناعتهم بنهج وثقافة المقاومة كأسلوب أمثل لاستعادة الحقوق وتحقيق المصالح العربية والأمن القومي العربي في مواجهة المشروع الصهيوني المعادي للأمة.
   
   لقد كسبت حماس الشرعية عبر نضالها ودماء آلاف الشهداء والجرحى الذين ساروا على دربها –درب المقاومة والجهاد- واحتضنوها، ولم يعد يجوز التشكيك بها كحركة تحرر وطني أثبتت قدرتها على قيادة المقاومة ومواجهة المؤامرات والالتحام مع الشعب.
   
   كما لا يصح اليوم أن يحيل أي شخص مواقفه المعادية لتيار إسلامي ما في بلده ويسقطها على حركة حماس لمجرد أنها تلتقي مع هذا التيار الإسلامي أو أن هذا التيار يقف معها ويدعمها، فالأمر أكبر من حسابات داخلية بين أطراف تتنازع الشارع في دولة أو أخرى. إن كانت حماس تمثل الإخوان فنحن على خلاف مع الإخوان، لكن حماس أصبحت أكبر من ذلك، إنها حركة تمثل كفاح ونضال الشعب الفلسطيني عامةً وها هي فصائل يسارية وقومية تقاتل معها جنباً إلى جنب وتلتحم معها في ميدان المعركة، بدءاً من شهداء الأقصى (فتح) وانتهاءً بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
   
   أيضاً على قوى الشعب الفلسطيني الحية والتي عبرت عن نفسها خلال ثلاثة أسابيع من العدوان أن تبادر إلى الضغط من أجل خطوات عملية لإعادة تفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية –الممثل الشرعي والوحيد المعترف به عربياً ودولياً للشعب الفلسطيني- وإعادة بنائها على أسس وطنية تراعي المتغيرات التي مرت بها القضية الفلسطينية ومستجدات الساحة النضالية الفلسطينية. يجب أن تضم المنظمة كافة القوى الفلسطينية وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي، وأن يتم تفعيل دور فلسطينيو الشتات والاستفادة من قدرات وإمكانيات خمسة ملايين فلسطيني يمكن أن يشكلوا –كما كانوا في الماضي- رديفاً هاماً لنضال الشعب الفلسطيني في المجالات الإعلامية والاقتصادية والسياسية.
   
   لا نستطيع أن نتحدث عن العدوان على قطاع غزة دون الحديث عن معركة الاعمار وإزالة آثار العدوان. المطلوب الآن من كل الغيورين عرباً وفلسطينيين ومسلمين وأجانب أن يسارعوا إلى المشاركة في عملية الاعمار بشتى الطرق والوسائل، كل حسب إمكانيته وقدرته من أجل تفويت الفرصة على العدو في النيل من صمود أهل العزة في غزة وكسر إرادتهم ومعنوياتهم. دعم صمود أهالي القطاع هو جزء هام من المعركة التي لم تنتهي بعد، وعلينا جميعاً أن نبذل ما نستطيع كأفراد ومؤسسات من القيام بدورنا في هذا السياق دون الدخول في دهاليز السياسة والخلافات بين معتدل ومتطرف وبين شرعي وغير شرعي. سواء كنا نستطيع أن نكفل عائلة أو يتيماً أو نعيد بناء منزل أو مسجد أو مصنع أو حتى شارع.
   
   هؤلاء الذين رأيناهم يصمدون ويتحدون رابع أقوى جيش في العالم، يصبرون على مآسيهم ويتحملون مقتل واستشهاد أهلهم وتدمير حياتهم كلها دفاعاً عنا جميعاً وعن مستقبل هذه الأمة ومصالحها وكرامتها يستحقون من أقصى درجات الدعم والبذل والعطاء.
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .