الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



النظام الرسمي العربي ما بعد غزة يضيع بين استراتيجيات متباينة
بقلم :    عصام الياسري

لم تأت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، دون سياقات محلية وإقليمية ودولية منها: الأزمة المالية العالمية وتفاقم انهيار السوق والصناعة الغربية واضطراب الساحة السياسية، جرى التشاور بشأنها مع بعض الأنظمة العربية التي انساقت بسبب ضغوط الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية للهرولة وراء تغطية الحرب، لتأمين مصالحها المشتركة، اسْترَاتيجياً وسياسيا واقتصادياً. كذلك البحث عن مخارج للحد من احتمالات انهيار بعض الأنظمة واتساع معاداة الهيمنة الأجنبية في المنطقة. فضلاً عن هدف إجراء تغيير سياسي في غزة بسبب الصراع المحتدم على السلطة، نَمّ عن تآمر سلطوي فلسطيني ـ إسرائيلي، وتواطؤ عربي لاجتثاث حماس تماماً وفتح الباب واسعاً أمام عباس وشلته للسيطرة على القطاع بالقوة وتأمين مركز القرار.
   
   ولأجل كسب الأصوات في الحملة الانتخابية والوصول للسلطة، عمدت الأحزاب الإسرائيلية التي وجدت في تداعيات حرب ٢٠٠٦ وانتصار المقاومة اللبنانية، سبباً لرد الاعتبار سياسياً وعسكرياً، إلى تأجيج الصراع بين الفصائل الفلسطينية وتشديد الحصار ومن ثم القيام بالعدوان لتسخيره انتخابياً بحجة الدفاع والقضاء على صواريخ المقاومة الفلسطينية التي تهدد أمن الإسرائيليين الأكذوبة.
   
   وفي أروقة الإدارة الأمريكية كثر الحديث عن وضع اِسْترَاتيجيًّات جديدة للشرق الأوسط وأفريقيا، بعيدة المدى. اقتصادياً تتجه نحو نفط الشرق وغاز أقصى الشمال الآسيوي، والسوق المالي الهائل لدول وسط وجنوب شرق آسيا وأهمه السوق الصيني والماليزي، الذي يقلق الغرب ويجعله يحد أسنانه لمواجهة الأزمة المالية العالمية التي غيرت موازين القوى بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا والعالم العربي.. سياسياً فإنها تعاني من أزمة مستفحلة غير قادرة على مواجهتها تعرض مصالحها في المنطقة للخطر، سيما وأن الوضع المتأزم في العراق من بعد احتلاله عام ٢٠٠٣ وعزله عن محيطه العربي، بات مقلقاً لها ولحلفائها الحكام العرب اللذين يجدون أنفسهم بين المطرقة والسندان، خائفون من نمو حجم المعارضة السياسية. الأمر الذي جعلهم يراهنون على نجاح مخطط الحرب على غزة والقضاء على المقاومة ووضع حدٍ للإرهاب الذي يعانون منه، كعامل مساعد لتأمين سلطانهم.
   
   وبعد مرور اثنين وعشرين يوماً على العدوان الإسرائيلي على غزة وسقوط أكثر من ١٣٠٠ شهيد وأكثر من ٥٤٥٠ جريحاً، وتحويل غزة إلى مدينة أشباح تعرضت إلى أكثر من ٢٥٠٠ غارة جوية بربرية ألقت أكثر من ١٠ آلاف طن من المتفجرات الخطيرة والمحرمة دولياً، غير كميات القصف المدفعي والدبابات. انفض اجتماع القمة الاقتصادي العربي في الكويت بإصدار بيان هزيل ومتأخر لامتصاص نقمة الشارع العربي والعالمي ومواجهة قرارات مؤتمر الدوحة للتضامن مع غزة الذي نال الاستحسان وانعقد قبل قمة الكويت بأيام بعد مدٍ وجزر في مواقف دول ما يسمى بالمعتدلة.
   
   ما يسترعي الانتباه أن بيان غزة الصادر على هامش قمة الكويت الاقتصادية لا يتضمن آلية واضحة لتنفيذ ما جاء من تطلعات لإعادة أعمار غزة، بعيداً عن الضغوط الدولية وتأثير أصحاب القرار في النظام الرسمي العربي "المعتدل" بين مزدوجين، ولا يستقرئ بموضوعية ضمان حق المقاومة في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، أو الاتجاه حقاً نحو مقاضاة إسرائيل وإحالة قادتها للمحكمة الدولية على أنهم مجرمو حرب، وتحميلهم مسؤولية ما اقترفوه من مجازر بحق الشعب الفلسطيني، خاصة وأن ذلك أصبح مطلباً أممياً وعربياً من الناحية القانونية والإنسانية.
   
   فإلى أين يتجه النظام الرسمي العربي إذن، في ظل هذه الأوضاع وبعد كل هذه النكبة؟ وهل ثمة مخارج حقيقية يمكن أن تؤطرها قمم الجامعة العتيدة؟.. يقول المثل العربي: الشبعانُ يَفُتُ للجائع فَتَاً بطيئاً، بمعنى من لا يهتم بشأنك ويأخذ مأخذك لا يمكن أن يشعر بقسوة محنتك ويطمع لعونك. هذا هو أمر قادة العرب، فهم إن حلوا عن صمتهم فمواقفهم على دارج الحال في السر وفي العلن لا تتعدى سلعة مستهلكة لا نفع فيها لرفع الحيف عن الأمة، وإن عملوا فإن ذلك إلا من باب حفظ ماء الوجه ومن ثم العودة عن كل التزام أساء كارِه ما عَمل.
   
   هذا واقع حكامنا باختصار رغم ما يدعوه زوراً من إخلاص للأمة والمجتمع، فكم في الحشر بين مُريد ومُراد.. مشهد انفعال الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى قبل انعقاد قمة الدوحة ودخول العدوان على غزة أسبوعه الرابع، كان مثيراً للغاية، يعكس صورة النظام العربي وحقيقة مواقفه المتقلبة وغير المسؤولة. حين صرح بأنه منزعج ومحبط من الموقف العربي، وأنه سيعلن قريباً عن موقفه في اجتماع رسمي. توقع المراقبون أنه سيعلن استقالته والكشف عن جميع العورات والمساومات التي حصلت أثناء العدوان ليجلل صمود الشعب الفلسطيني بكرمه الوطني، سيما وأنه تحلى بمواقف وطنية وقومية مشرفة حينما كان وزيراً للخارجية المصرية، كسته الرفعة والاحترام أينما حل. لكن الأمين العام عاد وتراجع عن إعلان موقفه، والسبب بقى مجهولاً. فهل ثمة ضغوط قد حصلت؟ أم أن خيار "الجوكر" هو الذي قاد للاحتفاظ بالمنصب الذي يُجَل ماله وجاهه ولا يقطف بسهولة؟. يا لها من خيبة، كاد الديك أن يبيض، لكنه عاد فصم على مخرجه، ليفوت علينا فرصة معرفة أسرار سكوت الزعماء العرب على إبادة الشعب الفلسطيني في غزة وجعل مصيره قاب قوسين أو أدنى.
   
   ومَن لا يعرف بأن النظام الرسمي العربي يعاني من مأزق، ولا يجرؤ على التفكير باتخاذ قرار عربي موحد يضع نهاية للحرب على غزة أو حل غيرها من المعضلات التي تواجه الأمة ومصالحها. فهل من المعقول أن لا تعتبر الحرب سبباً لعقد قمة، كما جاء على لسان الفيصل الذي أضاف ليس المهم عقد قمة، المهم ماذا ستتخذ القمة؟. غريب!، إذا كان الفيصل لا يعرف ماذا ينبغي أن يتخذ، فمن ذا الذي سيعرف إذن؟. وإذا كل هذه الحرب وكل هذه المجازر الجماعية والدمار، لم يكن سبباً لتحرك العرب لعقد قمة واتخاذ كل ما يلزم لإنهائها بسرعة. متى يريد الفيصل التحرك إذن؟. بعد أن ترمي إسرائيل أول قنبلة ذرية لها فوق غزة كما لوّح بعض قادتها على ذكر جريمة هيروشيما.
   
   أن هذا النظام المتهري أخلاقياً وسياسياً وعسكريا، والمتخم بسبب تراكم كنوز المال والمجوهرات لديه، أصبح جزءاً من المشكلة وليس طرفاً في الحل. وأن جامعة الدولية العربية "ونحن لا نريد الدخول بتفاصيل تأسيسها النتن، وهي أسوأ منظمة في العالم، لا تحتمل حل النزاعات بين أطرافها، ولا تستطيع الدفاع عن مصالح أعضائها وصد أي عدوان يقع عليها. لم تعد أي فائدة لها وبها بقدر ما أصبحت كالجنازة الهامدة التي تنتظر البحث عن طريقة مقبولة لتشييعها بشكل لائق بها.. دون استرجاع الذاكرة لملء الفراغ العربي الذي عانى منه الشعب الفلسطيني قبل وأثناء الحرب على غزة وتركه يقاوم لوحده. انفضَّت قمة الكويت عاجزة أمام تركة ثقيلة، لكنها اتخذت قرارات في المجال الاقتصادي والاجتماعي، ورصدت أموالاً طائلة لمشاريع كبيرة لا يعتَقد أحد أنها لصالح الطبقات المسحوقة في العالم العربي بقدر ما تكون مشاريع استثمارية سيساهم في تمويلها أصحاب رأس المال العرب وشريكهم الاحتكار العالمي. لينعم أصحاب الجلالة والفخامة وحاشيتهم على حساب الملايين من الجياع على امتداد هذا الوطن العتيد، فيما المواطن العربي لا يملك إلا هامش التأمل في تلك الكروش التي تهتز على إيقاع قهقهة أصحابها وهم يصولون ويجولون في مآدب القمم المترفة.. يبقى ماذا ينتظر الشعب العربي والفلسطيني على وجه التحديد من أعضاء جامعة الدول العربية ومن قممها المبجلة والخاوية من كل مضمون.. على من يجد نفسه معنياً، أن يتقدم لرأس النظام في بلاده، يلتمسه تبادل الأدوار ل ٢٤ ساعة فقط مع ضمان حسن النية وأجر الثواب، وعليه أن ينتظر رد الفعل طالما في الانتظار عافية.
   
   عصام الياسري
   ٣١ كانون الثاني ٢٠٠٩
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .