الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



وبعد غزة.. هل نصالح ؟!
بقلم :    د . أسامة عثمان

لم تكن القناعات بواقعية الحلول السلمية قبل محرقة غزة يقينية في طرفي الصراع, العربي و"الإسرائيلي", لكن المؤكد أنها بعدها أضحت أقرب ما تكون إلى رتق زجاج مكسور.
   لا يعدو اختيار لفظة السلام للتعبير عن الصلح المنشود بين العرب و"إسرائيل" الغاصبة كونه محاولة للتجميل؛ باستدعاء معاني الأمن والبراءة من الأضغان والأحقاد والعداوات.
   
   وبمثل هذه السطحية اللفظية تتقاطر الجهود الدولية والأمريكية منذ عقود للتعاطي مع هذا الصراع العميق الجذور, والمعقد في أبعاده, ومظاهره؛ ما يؤشر إلى افتقادها إلى الجدية اللازمة لكي تستحق المتابعة وحسن التوقع. فأمريكا كانت ولا زالت الداعم المطلق لأنواع العدوان "الإسرائيلي" بأشكاله الحربي الدموي والتوسعي الاحتلالي, ولسان حالها يقول بترك الزمن ليفعل فعله في تطويع الفلسطينيين وأمتهم, وإنهاكهم, بفرض الوقائع الظالمة المفضية إلى تصفية حقوقهم الدنيا التي تعادل وجودهم وكينونتهم.
   
   تقوم هذه الاستراتيجية على القفز عن الأسباب الموضوعية التي تعوق بناء قناعات في الأجيال الفلسطينية تسمح بتجاهل دواعي الكراهية والتوجس, تلك الدواعي التي تبدو الأكثر تيقظا وفاعلية في الجانب "الإسرائيلي", وفي كل المراحل التي مرت بها القضية الفلسطينية, لم تسمح حكومات الاحتلال المتعاقبة للفلسطينيين والعرب بنسيان الخطر الذي تجسده "إسرائيل" عليهم, بصفات وممارسات لا تطاق: مجازر همجية صاحبتها منذ النشوء, وحتى الآن. وممارسات احتلالية وعنصرية لم يكن آخرها بناؤها لجدار الفصل العنصري الذي يستبطن استبعاد خيار السلام من استراتيجية تلك الدولة, فهي ماضية في مخططاتها, دون التفات إلى متطلبات السلام, أو مراعاة لها!
   
   وهذا ما لفت أنظار الجميع وأثار استهجان العالم من غربه إلى شرقه, ومن يساره إلى يمينه, توحدوا جميعا في مسيرات واحتجاجات عفوية وعارمة, كانت تحاول التعبير عن سخطها من مقدار الاستخفاف الذي صفعت به "إسرائيل" العالم؛ فتحدته في إنسانيته, واتهمته في عقله وضميره. فعلت ذلك غير آبهة بمآلات جرمها, ولا مكترثة بما سيقوله العالم الذي يرقب الدم المسفوك, والإعدامات الجماعية, والاعتداءات الشاملة على دور العبادة والمشافي والمدارس والمؤسسات الإغاثية؛ فهل تفعل ذلك, وهي تطمئن إلى رصيد من التعاطف الذي تريده أبديا ومطلقا مع المجرم الذي يتقمص ثوب الضحية؟! أم أنها وهي التي تستبقي العداوة للفلسطينيين والعرب منطلقا ومآبا, لا تسمح لنفسها بالاغترار بدعاوى السلام الذي تسايره في الألفاظ في فسحات القتل, ووجبات الدماء!
   
   ولقائل أن يقول إن السلام لا ينشد أصلا إلا لمحو الحروب, وتبديد العداوة, والتاريخ يشهد لحالات من النزاع أسفرت عن سلام استقام وأثمر, وهذا صحيح, لكن المستحيل أن يَنْبت السلام في تربة تنطوي على مضاداته, وعوامل فنائه؛ فكيف تستطيع غزة وأهلها وأمتها أن تصالح بعد أن تبدى لها حجم الكراهية وعمق العداوة حتى الرغبة في الإبادة الشاملة, دون أدنى مواربة؟!
   
   ثم كيف يصدق الطرف العربي "إسرائيل" في ادعائها السلام, وهي تزداد تمنعا كلما قدم العرب لها المبادرات والمواقف السلمية, وها هي المبادرة العربية تأبى "إسرائيل" إلا إهمالها, وقد أجهد العرب في الدعوة لها حتى الترويج لها في الصحف العبرية بإعلانات مدفوعة الأجر! والكل يذكر كيف قابلتها "إسرائيل" أول إعلانها! تفعل ذلك مع مبادرة تعرض عليها التطبيع العربي الكامل مقابل الانسحاب من الأراضي التي احتلت عام 67م فأي شيء لا يعجبها فيها؟!
   
   هذا الموقف الغريب أحرج النظم العربية التي كانت تبنت تلك المبادرة وحتى التي طرحتها ابتداء وهي السعودية, إذ أعلن الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود أن المبادرة العربية لن تبقى مطروحة على الطاولة، والخيار بين الحرب والسلام لن يبقى طويلا.
   
   يكاد يجمع الجميع على أن الوصول إلى سلام بين الفلسطينيين و"إسرائيل" سيكون أعسر وأبعد بعد ما اقترفته تلك "الدولة" في غزة؛ فهل كانت تلك التوقعات غائبة عنها وهي تتجاوز كل الخطوط, وتصرح بأنها لا تكترث إلا بمصلحتها وأمنها؟! أم أنها أقدمت على قتل المئات من الأطفال والنساء والشيوخ, واستعملت الأسلحة المحظورة دوليا, ولو تعرض قادتها إلى محاكمات بتهم جرائم حرب!
   
   لقد كان لافتا أن تنشأ دعوى دولية تطالب بالتراجع عن منح الرئيس "الإسرائيلي" بيرس جائزة نوبل للسلام, وهو الشخصية التي يجري تسويقها إلى العرب والعالم بصفات البحث عن السلام والتعايش, لكنه كان يتناسى ذلك كلما احتاجت دولته حربا وترويعا, وهو الذي لم يكن بريئا من دماء أطفال قانا, كما هو ليس بريئا من دماء أطفال غزة ونسائها وشيوخها!
   
   أما الشعب "الإسرائيلي" وقواه الحزبية فقد كان في معظمه منحازا وداعما لتلك الحرب إلا من فئة قليلة لا يؤبه لها في المشهد العام.
   
   كأن "إسرائيل" تصر كل عقد من الزمان, أو أقل, على ترسيخ الكراهية والعداوة في كل جيل تتفتح ذاكرته وعيونه على مشاهد رهيبة "إسرائيل" بطلتها, لعلها تريدها سببا للخوف والاستخذاء والاستسلام, ولكنها,كما يبدو تغدو وقودا للمقاومة النفسية والمادية, وجسرا عميقا يصعب ردمه, أو يستحيل, بين مسكون بالعداوة, ومجبول على التضحية والأنفة.
   
   
   
   
   
   
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .