الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



رحيل الأمان يا غزة
بقلم :    جاكلين أبو طعيمة

وغزة حلم وشجر ورحلة أطفال مدرسية، وحديقة وجندي مجهول، وغزة قطاع كبير يضم آلاف اللاجئين والمواطنين اختلطت دماءهم فكونوا نسيجاً وصاروا غزة..
   هناك كان يسكن الأمان القليل ولكنه كان أمان، في غزة كانت تشرق الشمس كل صباح، وتغرق في البحر عند الغروب، وفي غزة فنانين وشعراء ومبدعين، يغنون للأمل يرسمون الحياة، أحلامهم نقية صغيرة غزية...
   وفي غزة كذلك رفح وخانيونس والوسطى والشمال، كلها مدن لم تخترقها حدود، لم تفرقها مسافات، بساعة واحدة تسير من شمالها لجنوبها بسيارة عادية، غزة هذه تتعالى على الجراح على الهموم، والناس في غزة لهم طبع غريب، كأني بهم خلقوا بشكل آخر أو طبعة مختلفة، سمتهم التكيف مع الفقر يتكيفون ومع الغنى يعيشون، ويزهون بالمرارة وتسكن القلة والحاجة عيونهم ويعيشون، صابرون على كل شيء ومعه يتكيفون...
   
   وبقيت غزة حلم وحقيقة... الزلازل لا تطرق أبواب غزة، لكن هذه المرة كانت قوية وجاءت بلا إنذار، كلاب الحي لم تنبح، والقطط لا زالت في موسم التكاثر ساكنة تزعج المدينة بمواء يخافه الصغار، وذاك المطعم على ناصية الطريق لا زال يعمل، والأمهات في الصباح تجول البيت جيئة وذهاب، لم يكن أحد يعلم بالزلزال، حتى دَوَى أزيز طائرات من بعيد وبلمح البصر انفجرت كل النوافذ المغلقة بزجاجها في وجوه الصغار الرضع النائمين وفي قهوة العجوز، وارتجت كل أركان البيوت في كل مكان في قطاع غزة، زلزال لم يختر إلا القطاع بمواقع محددة، انهال بصواريخ في كل مكان، الطلاب العائدين من المدارس، النساء في السوق، صراخ في كل مكان، صراخ يخترق حدود الصوت من أمٍ ولدها في المدرسة، وابن في السوق، وزوج على ناصية الطريق، لم تسمع غزة إلا صراخ الصدمة، وامرأة لم تنجب إلا طفلاً أخذته بين يديها وركضت في الشارع بعدما وقع سقف الدار عليهما...
   
   التحمت صرخات النساء مع مزامير الإسعافات، وعلت التكبيرات شهداء بالعشرات بل يتجاوزون المئات، الشبكة الخليوية توقفت كل الناس تهاتف الأهل والأقارب، الكل في ذعر الموت في كل مكان، تتراشق نشرات الأخبار مائة شهيد، بل مئتين، خمسون طلاب مدرسة، عشرة نساء بل عشرين، ستقام آلاف البيوت للعزاء، انتشرت رائحة الموت ورحلت رائحة الأمان، الذعر العيون المفتوحة المبحلقة الأفواه المبكمة كانوا سادة الموقف...
   
   واجتمعت مدن القطاع من جديد ليضمها بيت عزاء واحد في كل حي في كل شارع في كل بيت شهيد أو جريح، وظن الحي أن رائحة الدم وَلَّت بعد هذا، وبعد قليل عَرِف الجميع بأن للموت جبهة وستفتح في كل مكان في أرض قطاع غزة، وكان هنا النذير برحيل الأمان...
   
   بدأ الأمان يلملم أشياءه، يتعثر يترك شيء ويحمل آخر، واشتبكت معه الطمأنينة وعقدا العزم والنية على الرحيل... ورحلا... خلفا دماً على الجدران، صورة شهيد، طفل بلا قدمين، أم بلا أبناء... موت بلا حساب ... ومقابر لن تغلق أبوابها من جديد ...
   
   وانتشر الموت في كل الأرض حتى أن ساكني هذا القطاع ظنوا أن العالم كله ينتهي الآن، ودموع الكبار لا تتحجر بل تنفجر شلالات في بيوت العزاء كل مكان، ضرب كل الأشجار أزالها من جذورها ونقلها بعيداً ليغير معالم الأرض، وزلزل كل الأحجار فلم يعد في بيت حجر يقوى على الصمود بجوار حجره الصديق منذ عشرات السنين، قتلوا كل شيء، أسكنوا البارود والمدافع على أبواب المدن، زلزلوا الأرض وأرهبوا السماء، لم يغفر لسكان غزة حصار سنوات ولم يغفر لهم استغاثات ودموع عبر المحطات العالمية، لم يغفر لهم حتى قتل ابن واثنين، بل كان يجب أن يبلغوا النصاب أربعة وخمسة...
   
   في غزة كان بيت ومدرسة ومسجد وشارع، اليوم ذابت كل هذه الكلمات ما عاد في غزة ما يسمونه بيت أو مدرسة، وذاك المسجد أصبح هدفاً ليس وحده بل مصليه من الصغار والكبار، والشارع لم يذكر أهل القطاع اسم شارع فكل القطاع بات شارعاً مفتوحاً ليس له بداية أو نهاية...
   
   وذاك الخائن الذي اسمه الأمان وصديقته الطمأنينة ما عادوا يدخلون القطاع أبداً ، سلكوا درباً غير درب أهل القطاع، ورحلوا بعيداً، ومن يوم الرحيل الأول إلى الآن لم يعد هناك أمن أو أمان، وجاء الخوف والرهبة بديلاً فسكنت الشارع المفتوح بلا نهاية وجعلته بيتاً لها ...
   هكذا رحل الأمان عن غزة...
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .