الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



ما بعد غزة خطاب النصر وخطاب الهزيمة ثقافة أم معركة ؟
بقلم :    سامي الأخرس

انتهي العدوان على غزة ، وسكتت الصواريخ والمدافع عن رؤوسنا ولكن لم يسكت الرصاص المسكوب لأنه لا زال يحصد شهداء من أبناء شعبنا ، وكذلك لم تترك الصواريخ العبثية الأخرى لنا فرصة لنلملم جراحنا ونسمو على آلامنا وننهض من صدمتنا ومصابنا حتى دوت فوق رؤوسنا الأبواق ونعيق البوم ، وحامت الغربان في سماء غزة وفلسطين ، بوم ينعق ما بين مدفع النصر ومدفع الهزيمة ، وما بين الاحتفال بالنصر والانحباس بين الألم والحزن ، وهذا ليس بالجديد أو المستحدث على هذه الأمة العربية التي تعودت أن تقرأ ما بين افخادها فقط وأن لا ترى أبعد من مرمى أعضائها الجنسية والتناسلية ، فهي دائما عودتنا أن تقرأ بشذوذ ، وتنظر للتاريخ من باب العهر المستفحل به ، تخشي أن تنظر له من باب علمه وقصصه وسيرته لأنها لا تعرف أن تفك طلاسمه ، ولا تريد إعياء نفسها بالاندفاع إلى الأمام لتستجمع قواها وتخطط للمستقبل ، دائماً تبحث عن هوامش تتعلق بها ، وتصنع حروباً تخوض أتونها ولو كانت حروب وهمية ، فهي أدمنت الحروب وأدمنت التهميش وأدمنت أن تكون أمة هزيلة عبثية متشرذمة متخلفة عن باقي الركب العالمي .
   حرباً قذرة تستخدم بها كل الألفاظ من مستودع النجاسة وحاوية القاذورات اللغوية تستخدم الأن بكل الأساليب وبشتي الطرق لتتمترس خلف عنادها والعناد كفر فعلاً ، وهذا ليس إلا نتاج عمى أصاب القلوب ، وأصاب البصيرة أيضاً .
   وما بين ثقافة النصر والهزيمة ضاعت أمانينا وضاعت قضايانا وتاهت بنا السبل وسقطت أخلاقنا ، وتبخرت معاني المستقبل والإنتصار ، وتلاشت مقومات المعركة القادمة ، وهو ما لا نتعلمه من عدونا الذي يخرج من معركة ليبدأ رسم معالم معركة أخرى دون عويل وبكاء ونحيب وصراخ ، ويبدأ برسم مستقبل سياساته وخططه ، ويتعلم من ماضيه وسقطاته وهزائمه ، ويتعايش مع حاضره .
   أما نحن فمنذ أن سكتت صواريخ العدو ومدافعة حتى انطلقت صواريخنا ومدافعنا دون أدني مسؤولية ، ودون أدنى شعور بالآلام التي في غزة وغير غزة ، وتفرقنا لمعركة أخرى ، معركة تحمل بين ثناياها ملامح ثقافات قزميه ثقافة النصر ، وثقافة الهزيمة .
   وأبدأ من التاريخ الذي لم يذكر لنا نموذجاً واحداً بأن هناك مقاومة انهزمت أو تلاشت ، فالهزيمة دائما تلحق بالجيوش ولم تلحق بالمقاومة لأن المقاومة هي نبض شعوب ، وجنين لا ينمو سوى برحم شعب وأمة ، والشعوب لا تهزم ولا تقهر أبداً ، فكلما سقط مقاوم ظهر عشرات مكانه بل مئات ، وكلما استشهد قائد حمل اللواء قادة آخرون ، فلا يمكن هزيمة مقاومة مهما كان جبروت عدوها وآلته وجيشه ، ولنا بالتاريخ نموذجا ، سواء القديم منه أو الحديث ، فسقط جيفارا شهيداً ولم تسقط المقاومة ، ولم تنهزم الثورة ، وسقط عمر المختار شهيدا ، فلم تسقط المقاومة ولم تنهزم الثورة ، وسقطت أفغانستان محتلة ولكن هل ماتت وسقطت وانهزمت مقاومتها ، لا فإنها لا زالت تقاوم ، كما سقط العراق محتلاً ولا زالت مقاومته تنبعث بقوة وتخوض غمار معركتها .
   فلا يمكن أن تسقط مقاومة حاضنتها هي الشعوب ، ولا يمكن هزيمة مقاومة مهما كانت لأنها نبض الشعب وقلبه النابض فكيف يتوقف القلب ويبقي الشعب حياً ؟
   إذن فلا يمكن بأي حال وأي منطق الحديث عن هزيمة للمقاومة مهما كان شكلها أو حجمها أو لونها الفكري والأيديولوجي والقتالي ، لأنها تعبير ضمني عن أماني الشعوب وإرادتها ، تولد من رحمها وتنمو بجسدها ، فإن كانت المقاومة تُهزم فالهزيمة منذ زمن بعيد لأن مقاومتنا الفلسطينية تعرضت ومنذ تفجر الصراع الفلسطيني – الصهيوني لأبشع المؤامرات والمذابح والجرائم من هذا العدو ولكنها كانت تنتفض وتنهض وتواصل وتنطلق اقوي وأعنف من ذي قبل ، وتواصل معركتها التي لم ولن تنتهي بعد ، ولم ولن تتوقف أمام جولة أو معركة واحدة أو بحرب إجرامية مدمرة .
   أما منطق الهزيمة فهو لا يجد له مكاناً في قاموس الشعوب والحركات التحررية الثورية المؤمنه بالتحرر والاستقلال ، نعم ربما تتعرض في طريقها لبعض الإنكسارات مثل التي تعرضنا لها في مذابح دير ياسين ، وتل الزعتر ، وصبرا وشاتيلا ، وقانا ، وأيلول الأسود ، وغزة ..الخ ولكن هذه الانكسارات سرعان ما تتوهج وتتحول لإرادة فولاذية منقوشة بأحرف النصر والتحدى بعنفوان ، والبدء بمعركة جديدة من ضمن معارك التحرير ومقارعة العدو .
   أما معركة غزة الأخيرة فهي معركة كأي معركة أخرى خاضها شعبنا الفلسطيني ولا تقل مأساوية عن معارك سابقة عايشنا بها بعض الانكسارات أمام حجم التضحيات الجسام ، التضحيات التي دفعنا ثمنها من دماء أطفالنا ونساءنا ، لكنها لم تهزمنا بمعني الهزيمة ، لأن الشعوب لا تُهزم قط ، ولا يوجد بالعرف العسكري ما يؤكد هزيمة أي مقاومة ولا يقر بهزيمة الشعوب المتطلعة للحرية والاستقلال .
   ولكن الانتصار لا يتحقق على الأرض ، ولا يكون بالمقاييس التي نضعها نحن ، فمقاييس الانتصار التي نحتكم لها مقاييس هزيلة وساخرة ، وفارغة المضمون والمحتوى ، ولا تهدف سوي لخداع النفس وتضليل العقول ، فمن يعتقد أن مقاومتنا انتصرت بتلك المفاهيم التي اقرأها واسمعها فهو واهم ويخادع نفسه قبل أن يخادع الآخرين ، لأن مقاييس المقارنه بين القدرات والإمكانيات لشعب أعزل لا يملك سوى سلاح الإرادة والصمود على أرضه ووطنه ، وشعب لن يتمكنوا من اقتلاعه من دياره مهما ارتكبوا بحقه من مذابح ومحارق وبين عدو لا يمتلك سوى همجية وفكر اجرامي لا يمكن أن تكون وفق هذه المفاهيم والمقاييس .
   وهنا يكون انتصار يشبه حسب المصطلح الطبي (الحمل الكاذب ) رحم منفوخ بلا جنين ، وهذا ما يجب إدراكه وما يجب أن ندركه كأمة عربية أصبحت مدمنة للوهم وللأكذوبات المعنوية ، تريد أن تخلق من كل شيء انتصار ولو وهمي ، كإنتصار حذاء الصحفي العراقي البطل ، والتوهان في بحر الأحلام والخداع .
   فالتضحيات يعجز عن وصفها اللسان والقلم معاً ، ولا يمكن للعقل أن يتخيلها أو يتصورها ، أو القفز عنها ، وهذا هو المآخذ الفعلي على مقاومتنا المنتصرة فعلاً وليس قولاً ، ولكنها لم تعي كيف تتعامل مع هذا الانتصار ولم تتفهم كيف تتصرف أمامه بل سارعت لشخصنته واستغلاله في ميزان حسناتها الشخصية ، من منطق للنصر مليون أب وللهزيمة أب واحد .
   فالانتصار لا يتحقق بالمعركة لوحدها وإنما بالنتائج لما بعد المعركة ، وها هي النتائج مفتوحة لاستثمارها واستغلالها سياسياً ، واستغلال هذا الصمود البطولي من خلال مدى قدرة المقاومة على تحقيق النتائج والتمسك بثوابتنا الوطنية وتحقيق الأماني الفلسطينية التي ضحى من أجلها شعبنا ، كما يجب على المقاومة أن تُقدر جيداً حجم المعركة وتضحياتها وحسابات الربح والخسارة قبل أن تخوض المعركة ، فالتضحية واجبة وقائمة ولكن لا تعني الانتحار ، فالانتحار لا يدخل ضمن أجندة أي مقاومة تعمل وتقاتل لصالح شعبها وقضيتها ، وهذا ما قدمه السيد حسن نصرالله كقائد مقاتل يدرك معنى النصر والهزيمة ويدرك كيف ينتصر عندما أعلن أنه لو أدرك بأن هذا الحجم من التضحيات سيكون لما أقدم على خطف الجنود ، وهذا ليس ضعفاً بل هو خطاب نصر فعلي خاطب به آلام شعبه وأحزانهم وتضحياتهم ، خاطبهم بلغة القائد المدرك لمشاعر شعبه وأمته وملامس لهموم أهله رغم انه حقق نصر قاد من خلاله تحرير لأرضه ، وهو الخطاب الذي غاب عن القيادات الفلسطينية وعن المقاومة الفلسطينية التي سارعت بخطابات جوفاء فضائية بعيدة عن معانيات شعبها وتضحياتهم ، أو شعوراً بآلامهم وأحزانهم وتضحياتهم ، ,أصبح كل همها شخصنة المعركة وتقسيم أموال إعادة الأعمار وسرقة المساعدات بالسلاح ، واحتفالات هستيرية بالشوارع دون أدني مراعاة أو إدراك للأبعاد النفسية والمعنوية للذين لا زالوا يبنبشون الركام بحثا عن جثامين أبنائهم ، وربما من قام بهذه المهرجانات الخطابية المنتصره أرادوا منها رفع معنوياتهم الشخصية وعوامل نفسية أخرى وهذه الحسبة تخضع لرؤية وتحليل كل شخص حسب مفاهيمه ، من هنا كان خطاب النصر ضعيف وغير مقنع وغير ثابت ، فكان الأجدر أن نحتفل بالنصر بنصر من خلال توجه الآلاف إلى المناطق المنكوبة ومشاركة أهلها بالبحث والتنقيب والتضامن والتعاضد حينها كنا سنصفع العدو صفعة أخرى ونثبت له أن معركتنا ونصرنا لا ينكسر ولا يُهزم ، ونوجه له رسالتنا بأننا متوحدين متماسكين ثابتين على هذه الأرض ، منتصرون بإرادتنا وبعزيمتنا وبمقاتلينا ، وهذا ما فعله قادة العدو الصهيوني الذي هرولوا إلى المشافي لتفقد جرحاهم من جندهم ، وهو للأسف ما لم يفعله قادة مقاومتنا بكل أشكالهم وألوانهم ، ولم يتعلموا من الشهيد ياسر عرفات الذي لا زلت صورته مائلة وهو يقبل ساق أحد جرحى العدوان الصهيوني على غزة إبان انتفاضة الأقصى ، حينما جسد بهذه القبلة من قائد لساق جريح إنتصار فعلى وحقيقي ، وترك نموذج للعدو والصديق أن النصر ليس قتلاً وعبثاً ومهرجانات وإنما هو نصر إرادة وعزيمة ومقاومة لا تنكسر تحت أي ضربة أو هجمة أو آلة تدميريه إجرامية .
   هذه الفروقات تضعنا أمام استحقاقات ضرورية يجب أن ندركها عندما نتحدث عن النصر ، وكذلك عندما نتحدث عن الهزيمة ، فنصر غزة نصر حقيقي وفعلي وحتمي تحقق بالإرادة والصمود يتطلب ترجمته على ارض الواقع وليس بالخطابات والمهرجانات الفئوية الضيقة .
   نصر لا بد وأن يعيد لنا بوصلة رشدنا ، ولمقاومتنا إعادة حساباتها وأهدافها التكتيكية والإستراتيجية التي يجب أن لا تطمس مصالح شعبها وأن تضع في أولوياتها الحفاظ على حياتهم مهما كان الثمن ، فعملية التحرير لا نخوضها لتحرير الأرض فقط بل لتحرير الإنسان ، وأي عملية تحرير لا تكون للإنسان فهي عملية قرصنة للسيطرة على بقعة جغرافية جرداء من الحياة .
   كما يجب على مقاومتنا بفصائلها إدراك أن المعركة لا زالت طويلة وتحتاج لترتيب الصفوف وتوحيد الكلمة ولملمة الألم وحشد القوى والانطلاق من عنفوان واحد فقط هو فلسطين ولصالح فلسطين وشعب فلسطين ، فقرارنا يجب أن يكون من عمق الجرح الفلسطيني ، ومن داخل البيت الفلسطيني ، ولو كلفنا الأمر حل كل التشكيلات والمسميات مثل السلطة الوطنية وغيرها ، وتنصيب سلطة تحررية أهدافها واضحة ومحددة بالثوابت الوطنية ، وإعادة إعمار الوطن بغض النظر عن الجهة المسوؤلة عن الإعمار .
   فلا زلنا ببداية المعركة ، وهناك معركة اشد بإنتظارنا لا بد من الإستعداد لها وتحمل مسوؤليتها ألا وهي معركة الضفة الغربية والقدس وغزة (فلسطين ) الكيان وليس الممالك والكنتونات .
   إن النصر حتمي وحقيقي الذي تذوقته غزة ، نصر إرادة وعزيمة ، وصمود شعب لن ينكسر ، ومقاومة لا تتلاشى ولا تموت لأنها غير قابلة للموت والإنكسار ، ولا تخضع لمعايير الشخصنة والحزبية والتفرد ، ولا تعترف بفئويات ضيقة . كما أن هذا العدو لن ينتصر أبداً لأنه لم ولن ينتصر على المقاومة الفلسطينية منذ عام 1948م ولم يستطع كسر إرادة المقاومة وكل ما فعله أنه انتصر على جيوش مهزومة قبل أن تخوض المعركة ، ففي أول مواجهاته مع المقاومة تجرع علقم الهزيمة في الكرامة ، وفي كل جولاته مع المقاومة لم يتذوق طعم للنصر ، فكيف سينتصر في غزة ؟
   علينا إدراك أن ذاكرة الشعوب لا تنسى ولا تتنازل ولا تتجاوز ولا تخضع ، وإنما هي من تحدد الانتصار وترسم معالمه ، ومن تحدد بوصلة مسيرتها ، وشعبنا الفلسطيني أبدأً صامد قادر على الانبعاث والانتصار في كل زمان ومكان وتحت أي ظرف كان ، فإن كان العدو الصهيوني انتصر بدماء أطفالنا وجرائمه فنحن انتصرنا بإرادتنا وعزيمتنا وتمسكنا بحقوقنا وهويتنا وديارنا وثوابتنا ، وهذا هو الانتصار الكبير الذي نعيشه ونحيي به .
   فمن نصر لنصر .. ومن معركة لمعركة .. ومن صمود لصمود .. نمضي بطريقنا ولتكف الغربان عن التحليق بسماء فلسطين وليغمد المراهقين أقلامهم بغمدها ويرفعوا أيديهم وسيوفهم عن رقابنا ، ولينصرفوا بصراخهم الفضائي عن حياتنا ، ولنتعلم ثقافة النصر والهزيمة.
   ولكل مسؤولياته الوطنية ، التي يجب علينا جميعاً إعادة حساباتها مع النفس ، والوقوف على حجم التضحية دون التمترس أمام المصالح الشخصية والفئوية والحزبية.
   فلتكف السلطة الوطنية والرئاسة عن العبث بالضفة الغربية وتطلق العنان لمشروعنا الوطني أن ينهض من جديد وينبعث للحياة دون قيود فئوية أو ثأرية أو انتقامية من باب الفعل ورد الفعل .
   ولتكف غزة وحكومتها المقالة عن العبث بمصير فلسطين ولتطلق العنان للوطن أن يتوحد ولأبناء غزة أن يتلاحموا مع أهلهم بفلسطين ويعيدوا ملحمة الصمود الوطني في مناخ وطني.
   ولتكف فصائلنا المتبعثرة هنا وهناك عن المزايدات والخطابات البائسة والمتحدثة بألسن غير فلسطينية وتعود لكرامتها ولنفسها ولمشروعها الوطني وتشارك شعبها آلامه وهمومه.
   ولنكف جميعاً عن حالة الغيبوبة ونفيق من أتون الموت الاختياري ونلفظ سكرات الموت الروحاني ونعود لرشدنا.
   فاليوم نحن أمام فلسطين وفقط فلسطين فالأحزاب أدوات إلى زوال ، وتبقي فلسطين التي رسم حدودها ومعالمها الشهيد ياسر عرفات ، والشهيد فتحي الشقاقي ، والشهيد أحمد ياسين ، والشهيد أبو على مصطفي ، والشهيد الحكيم جورج حبش ، والشهيد خليل الوزير ، والشهيد عمر القاسم ، والشهيد خالد عكر ، والشهيد وديع حداد ، والشهيد محمد الجمل ، والشهيد ناجي العلى ، والشهيد غسان كنفاني ، والشهيد صلاح خلف والقافلة العظيمة من الشهداء .. فإما فلسطين ... وإما لنغادر جميعاً إلى جهنم الحزبية.
   سامي الأخرس
   20/1/2009
   
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .