الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



خادم الحرمين: شكراً يا صانع الأمل..!
بقلم :    أيمن اللبدي


مواقف كبيرة التي أعلنتها العربية السعودية اليوم في قمة الكويت، ورسائل أكثر من هامة تلك التي أرسلتها قيادة المملكة اليوم، وخطى متقدمة ذات سقف عال تلك التي خطتها الهمة العالية لخادم الحرمين الشريفين اليوم، رغم المرارة الشديدة التي حملتها نبرة خادم الحرمين، ورغم الشعور بالألم الحقيقي الصارخ كما عبرت عنها الخلاصات التي قدمها الملك عبدالله بن عبد العزيز في كلمته اليوم في قمة الكويت، فإن خلاصة المشهد كانت في واقع الأمر أكثر من مفاجأة، هي في الحقيقة كانت إعلان عن قيادة للعالم العربي نحو مصالح شعبه الواحد، ودرساً في الأبوة والزعامة والعروبة في ذات الوقت.
   
   الرجل الذي قدّم مبادرة السلام العربية التي اتفقت القمم العربية والإسلامية على تبنيها، رؤية وطريقاً وحيداً من شأنه أن يجلب السلام إذا ما أرادته الدولة الصهيونية فعلاً، يعود ليقول بصوت واضح ودون مواربة أن كفى....، اليوم قادة العدو الذين وصفهم خادم الحرمين بالوصف الحقيقي ذي السقف الذي لم نسمعه يوماً حتى من أشد عواصم التظاهر بالممانعة، وقد كشفت حرب العدو الصهيوني على فلسطين وغزة وشعب فلسطين درجة الفارق الحقيقي بين ما ادعوا من ممانعة، وما هي حقيقة الموقف في الممايعة، بعد أن استطاعوا شقّ الشعب الفلسطيني لأجندة مفاعلهم النووي الذي يريدونه سيفاً لوراثة هذه المنطقة العربية تقاسماً مع العدو الصهيوني، هؤلاء الذين أشبعوا بعض أخوتنا في حركة حماس وعوداً ومواثيق تخلوا عنها منذ أول طلقة، وتركوا غزة تتضرج في دمائها وأشلائها وحرائقها، ولم يكتفوا بل أوغلوا أحابيلهم في الصف العربي الذي كان من المفترض أن يكون جداراً لهذا الشعب المظلوم الصامد المقاوم.
   
   هذا الرجل اليوم باختصار حرق كلَّ الأعذار والمشاجب، ليس أمام العدو الصهيوني أو عصابة الإجرام كما وصفهم خادم الحرمين – ليس فقط الإرهابيين- وداعميه في الغرب، بل أيضا أمام المزاودين على العروبة وعلى العرب في هذا الإقليم، لقد أعطى الإنذار الأشهر منذ عدة عقود لم نسمع بمثلها وأعادتنا إلى زمن النخوة والشهامة والكبرياء العربي، اليوم ليس أمام هذا العالم إلا أن يصغي جيداً، إما هذا السلام وإما تلكم القادمة، هذه هي كلمات الراحل أبو عمار في العام 1974 في الأمم المتحدة، غصن الزيتون أو البندقية وعليكم الاختيار، الفرق اليوم أنها تصدر عن أكثر القيادات العربية اتزاناً ودقة فيما يصدر عنها، حيث المسافة بين الكلمة والمعنى الحقيقي صفر، لأن المعنى هو المعنى، ولأن ما قصده خادم الحرمين بالضبط هو ما سمعته عصابات الإجرام الصهيونية هناك، وأنهم إن لم يستطيعوا قراءة الشفاه جيداً، فقد سمعوا كفى أوضح مما كانت تحتال تسيبورا لتبلغ العرب من القاهرة في طريقها لتنفيذ مخطط الصهاينة بحلم الإجهاز على حقوق الشعب الفلسطيني، ولكن مقاومة هذا الشعب الواحدة، ودمه الواحد، وصموده الواحد كسر عدوانها وألجمه.
   
   في الوقت الذي تقدّم قمة الكويت والخطاب الأشهر الأمهر في تاريخ القمم العربية على الأقل منذ بضعة عقود، مثالاً كيف يمكن اختصار الموقف وإبلاغ الرسالة، وكيف يمكن في ذات الوقت وضع النقاط على الحروف، وكيف يمكن فتح الصفحات البيضاء وإغلاق الصفحات ذات الألوان بكل مروءة وشهامة، وكيف تكون القمم والقرارات، وكيف ترسم خارطة طريق حقيقية وليست من نوع خرائط الطرق اللقيطة التي طالما رسمتها الإدارة الأمريكية الأكثر تهوراً وغطرسة وفشلا في تاريخ أمريكا، يمكن اليوم القول أن الطريق أصبح سالكاً نحو استعادة التضامن العربي من سجل غرف الإنعاش إلى سجل غرف النقاهة، يمكن القول أيضا أن الطريق أمام محاولات ضرب الموقف العربي أي كان محاوله وصاحب كبره غدا مقطوعاً، اليوم أعطت المملكة درساً في النقد الذاتي و الجرأة والشجاعة الأدبية الفائقة الجودة، وفي ذات الوقت قدّمت مثالاً واضحاً لحضن العروبة الدافيء لكل عربي، وكل عربي تحمل معنى واضح وصريح بما فيه من تخلّف عن قمة الكويت لتوقعه أنها لن تكون إلا نسخة عن غيرها، وأظنه اليوم قد تيقّن أنها لن تكون كذلك، وليتهم وصلوا قبل أن تنفض القمة، لأنها ستكون عندها قمة القمم، على الأقل قمة إعلان العودة عن طريق الموت والتشظي وذهاب الريح، إلى المعنى الذي أراده خادم الحرمين بقوله وهو يشير إلى أمجاد الأجداد والعروبة.
   
   يجب علينا اليوم كفلسطينيين أساساً أن نشرع في النقد الذاتي ، أن نشرع في اللقاء الذاتي، أن نشرع في لملمة الجراح بيدين، لا معنى لعمل يد واحدة هنا ، ويد أخرى هناك، إنها يدانا ولا بد أن تقوما بدورهما، لا بد أن نوكيَ معاً ، وأن ننفخ رماد محرقة الصهاين معاً، لينطلق فينيقنا من جديد، لا معنى بعد اليوم لمناكفة ولا لتوتيرات في خطابات تهلكة، اليوم ونحن نحيي المجاهد الكبير والرجل الذي قاد المعركة الأخيرة من تحت جنازير دبابات العدو في غزة، الأخ الشيخ إسماعيل هنية، ونحن ننصت له وهو يتوجه بالإشادة بكل فصائل المقاومة، وهو يدعو إلى لقاء الأخوة، ونحن نصغي إلى كلماته الفلسطينية المقاتلة النبيلة تلكم، كأننا نستمع إلى شيخ فلسطين الشهيد وحمامتها البيضاء الطاهرة، إلى لسان الشهيد أحمد ياسين، وعار أن لا يجاب هذا النداء، هذا اليوم يجب أن تقطع فيه الطريق على كل راغب في فراق غير وامق، هذا اليوم يجب أن تنتهي فيه أحد أسود الصفحات في تاريخ شعبنا، لأننا نعلم علم اليقين أن العدو وعصابة الإجرام والإرهاب قد يستسهله نزقه إلى افتعال مصيبة طاحنة داخلية نحذّر منها الجميع، نحن مع الدعوة التي أطلقتها مصر الكبيرة إلى لقاء الفصائل فوراً في قاهرة المعز، وإلى صياغة وحدة فورية على كل المستويات، وكما قال أخي أبو مازن قد تحاورنا آلاف الساعات، واليوم يوم أن نشرع العمل بخطوة واحدة.
   
   نحن مع المملكة، نحن مع وحدة العرب، نحن مع قرار العرب، وعندما تكون الضريبة مطلوبة فإن شعبنا الفلسطيني لن يكون إلا رأس حربة العروبة كما كان دائماً، ستجدونه في مقدمة الانخراط كما كان دوماً صاحب الرباط، شكراً يا خادم الحرمين وشكراً للملكة ولشعبها على هذا الموقف الأصيل وهذا الجهد النبيل، وفي مسألة الإعمار وتضميد الجراح، شكرا لكل عربي يقوم بدوره في تمتين وحدة هذا الشعب ووحدة قيادته وفصائله ومقاومته، لأنها عندئذ ستكون كما أرادها الرئيس بشار الأسد عوناً للعرب، أما الفرقة فهي عون عليهم وعون على أنفسنا ولا نريدها، وهذا المقام هو مقام التحية للمقاومة بكل فصائلها، ومقام التحية لمجاهديها كلهم وفدائييها، ومقام الإشادة بجهاد أبناء فلسطين، أبناء العروبة، من جديد شكرا يا خادم الحرمين لأنك صنعت صنيعاً عظيماً اليوم، تجاوز المليار، تجاوزمشاركتك أبناءك في فلسطين مشاعرهم، تجاوز الحس النبيل بالاصرار على صنع عنوان عربي جديد نحو غد مشرق، لقد صنعت يا خادم الحرمين اليوم الطريق إلى الضوء الذي كان يقول عنه شهيدنا الكبير أبو عمار في نهاية النفق، النفق الذي دمرته طائرات العدو، صنعت اليوم فاتحة الأمل وبارقة عهد جديد، صنعت خيراً عظيماً، غيثاً دافقاً في صحراء اليأس العربي، فشكراً بعظمة ما صنعت.
   
   
   أيمن اللبدي
   نائب رئيس تحرير صحيفة «الحقائق» والمشرف العام على «الحقائق الثقافية».
   ayman@alhaqaeq.net
   
   
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .