الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



قتل الأطفال، كناري الحضارة والمنبه الدقيق للمجمتع
بقلم :    صائب خليل

ماما مش قلتيلي انو الاسرائليين اخدو بلدنا الحلوة طب ليش جايين هنا؟؟؟؟ فش أبلاد تاني يروحو عليها؟؟
   هكذا سأل محمد أمه أماني أبو رحمة في غزة، التي مازالت تنقل لنا صورة المجزرة من داخلها (1).
   على سؤال محمد علق نديم قائلاً:
   الان فهمت لماذا يُقتل الأطفال في غزة......................................
   شكراً لك يا محمد....الان استطيع الخروج عن صمتي امام طفلتي التي هي بعمرك
   عندما تقصم ظهري بسؤالها الرهيب....
   بابا....الأطفال ماعدهم مسدس... ليش يقتلوهم.....؟
   فعلاً.."ليش يقتلوهم....؟" هذا السؤال لم يقصم ظهر نديم وحده...
   ليس في أشد حقب التاريخ اسوداداً وبعداً، بل عام 1955, وليس في أشد مناطق الأرض تخلفاً ووحشية، بل في الدولة الصناعية الوحيدة التي فلتت من الحرب الثانية بسلام ، قمة العالم وأمله، الولايات المتحدة، تم تعذيب وتمزيق جسد الطفل الزنجي "إيميت تيل" ذي الـ 14 عاماً بوحشية متناهية في مدينة "ميسيسبي" قبل قتله. أما التهمة فكانت أنه "صفّر" لفتاة بيضاء حين كان في زيارة لأقرباء له في تلك المدينة المعروفة بعنصريتها، فالأطفال الزنوج من شيكاغو الأقل عنصرية، لم يكونوا قد "ثقفوا" بطريقة مناسبة للتعامل مع حضارة البيض في ميسيسبي !
   
   أصرت والدة أيميت أن تترك كفن طفلها مفتوحاً لأربعة ايام. لكن جميع الصحف اهملت نشر هذا المنظر المرعب، ولوحدها نشرت صحيفة "جت" صورة مخيفة للضحية بعد انتشالها من النهر.
   كان تيل قد أخصي وضرب في الرأس برصاصة وقطع لسانه، وفصلت ضربة فأس أنفه عن وجهه.
   في مقالته المعنونة "قتل الأطفال بحصانة" (2) يربط هنري جيرو بين هذه الصورة والصورة التي عاشها سكان نيو أورلينز واغلبهم من الأجانب الملونين، والتي فضحتها مأساة إعصار "كاترينا"، وقال البعض أن كاترينا كشف أن الكثير من سكان نيو اورلينز كانوا يعيشون كما يعيش الناس في ملجأ في إحدى دول العالم الثالث. وكانت الفضيحة من القوة بحيث منعت وكالة إدارة الطوارئ الإتحادية الصحفيين من مرافقة فرق الإنقاذ. لكن صور جثث الأمريكان من الأصول الأفريقية الملقاة على قارعة الطريق لأيام عديدة دون أن يرفعها أحد، كانت قد وصلت إلى الناس، واثارت الجدل الغاضب.
   
   لماذا إذن لا تثير صور التدمير والمعاناة وجثث مئات الأطفال الفلسطينيين إلا القليل من الغضب بين الصحافة والمثقفين في الولايات المتحدة؟" يتساءل جيرو، ويشير إلى أنه يعتبر إطلاق حماس لصواريخها على المدنيين الإسرائيليين عملا إراهابيا، لكنه يرى من خلال صواريخ إسرائيل أن : "الإرهاب يكون بصورته الأكثر تدميراً عندما يتمكن من إخفاء أهدافه السياسية واستعماله للقوة – أي عندما يتنكر بلباس نقيضه: الإستعمال الشرعي للعنف."
   
   " لم تعد جثث الأطفال مؤشراً للبربرية، إنما صاروا ببساطة "خسائر مصاحبة" (collateral damage) لتمرير تلك الأعمال المقززة وغير الإنسانية تحت تسميات "الضرورة التاريخية" و "الضربات الجراحية" وهي لغة تكشف المزيد من الطبيعة السياسية التي تستخدم تلك التوريات.
   
   هل يمكن تبرير أية إستراتيجية تكون نتيجتها قتل 300 طفل غير قادرين على الدفاع عن انفسهم؟"
   ثم يتساءل جيرو عن رد فعل الميديا الأمريكية على مشهد لطفل عمره سنتان أصيب بقذيفة إسرائيلية بينما كان يركض نحو مكان آمن، او مشهد وصفه أحد عمال المساعدة بأنه:"كان أشبه بالفحم...كان أيضاً بدون أطراف، لأن بعض الحيوانات اكلتها". فهل أصبح الشعب الفلسطيني من المهملات بحيث أن حتى صور الأطفال الفلسطينيين الممزقين بالصواريخ والرصاص لم تعد تثير أي غضب أخلاقي أو انتقاد سياسي صارم؟
   وهنا يساعدنا جيرو للإجابة عن السؤال: "ليش يقتلوهم...؟" فيقول إن المشاهد المقززة لما حدث للزنجي الصغير "أيميت" و ضحايا إعصار كاترينا وقتل الأطفال الأبرياء في غزة، لا يربطها سوى "المنطق العنصري" الذي يطبق من خلال دولة حديثة.
   
   قال دافيد ثيو كولدبرغ في كتابه الأخير "تهديد العنصر" ان الشعوب التي تم اتخاذ القرار بالتخلص منها وكعب البسطال فوق الوجه الذي يأكل التراب، إن وجد ما يأكله...(الشعب) المتروك ومخفض القيمة إلى الإنحطاط، مشكوك به لأنه لايستحق الثقة. وما أن يتركه العالم لمصيره، وحين لايجد مكانا يفر اليه ولا أحد يشتكي له سوى عدد مهمل من أصحاب الضمير، عندها يصبح ذلك الشعب صيداً مشروعاً".
   وبمثل هذا كتبت "سيمون دي بوفوار" يوماً فوصفت طرق الإستعمار في إذلال الشعوب ودفعها إلى الإنحطاط حتى تصل إلى وضع تستحق فيه احتقارنا لها، لكي يمكن تبرير الظلم الواقع عليها لضميرنا.
   
   لكن إسرائيل فشلت بشكل ذريع في الحط من قيمة الشعب الفلسطيني، لذا تنقض غاضبة مفترسة على فريستها التي تأبى أن تطبخ ليسهل مضغها.
   يرى جيرو ان "الأطفال يمثلون (بالنسبة للمجتمع) مؤشراً قوياً للنقد الإجتماعي والتغيير الجمعي"
   فهم "يثيرون التعاطف والتفهم، وهي من أسس تشكيل الخيال المتمدن" .
   ان قتل الأطفال في غزة يبرز في رأيه "العلاقة بين القوى العسكرية والمعتدية والمعاناة المعاشة فعلاً والمعاناة الشاملة والموت بالجملة الذي تتسبب به دولة توسعية" .
   "إنها فوق ذلك تذكرنا ثانية بالإلتزام الأخلاقي تجاه الأطفال والذي يجب أن يلعب دوراً مركزياً في المطالبة بتلك القيم والممارسات والعلاقات الديمقراطية التي تجعل من مثل هذه المعاملة أمرا يستحيل الدفاع عنه" تحت أية حجة يمكن ان يسوقها القاتل.
   ولقد ناقشت الفيلسوفة اليهودية الألمانية "حنه ارنت" بأنه حينما يخسر المجال الشعبي قدرته على التنوير، فإن نتيجة ذلك هي انسحاب المزيد من الناس من العالم ومن التزامهم فيه.
   
   يختتم جيرو مقاله الجميل بالإشارة إلى "أن غزة تذكرنا بأن "الأزمنة السوداء" التي خيمت على جيل آرنت تتمثل من جديد بمشاهد الأطفال الجرحى والقتلى. إنها ليست سوى إنذار يجهد باستماتة لتنبيهنا إلى ما يعنيه ان تنزلق السياسة والمسؤولية الإجتماعية والعدالة، تلك التي تمثل حيوية الديمقراطية، إلى البرود واللاأبالية أمام وجه الموت".
   
   ما اراد جيرو أن يوصلنا إليه يذكرنا بالكناري الذي يصطحبه عمال المناجم قديماً معهم الى العمل. ففي المغاور السفلى الظلماء التي يعيشون فيها، ليس هناك خير من صراخ الكناري لتنبيههم إلى خطر الإختناق والموت بالغازات السامة بينما هم منشغلون في عملهم. عندها يترك العمال معاولهم ويهرعون إلى النجاة.
   فماذا ينتظرنا، نحن البشر، ونحن نلتفت بعيداً عن صراخ كناري مجتمعنا، ولا تثير فينا القلق.. حتى جثته المعفرة بالتراب والدم أمامنا؟ (3)
   
   (1) http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=159616
   
   يمكن ايضاً متابعة ما ترسله السيدة أماني في موقعها:
   http://www.ahewar.org/m.asp?i=2012
   
   (2) يرأس هنري جيرو "شبكة التلفزيون العالمي" للدراسات الإنكليزية والثقافية في جامعة "ماكماستر" في كندا وله كتب عديدة في التعليم والسياسة والإجتماع.
   http://www.informationclearinghouse.info/article21760.htm
   
   (3) العبارة هذه مستعارة من ترجمتي لقصيدة لصديقي الشاعر الهولندي اليساري "أد كولكيس" والتي كتبها لأطفال الإنتفاضة، وحولتها حينها إلى وثيقة "بور بوينت" مصورة بعد ترجمتها (بتصرف) إلى العربية، كما تم بمساعدة متطوعين ترجمتها إلى عدة لغات تجدها في عرض ألـ "بور بوينت".
   
   اليوم تعود هذه القصيدة وتلك الصور في الملف الذي صممته لها، تعود بنفس القوة لتجرح إحساسنا للأسف ثانية متهمة ايانا بأننا لم نتعلم من التاريخ أي درس.
   أرسلت قبل أيام هذا الملف إلى المواقع الألكترونية وأعاد نشره مشكورين، كل من موقعي "الناس" و "ينابيع العراق" بعد جهود مشكورة منهما، كما نشر كلمات القصيدة موقع "بحزاني" فتحيتي لهم جميعاً، وأدعو قرائي إلى مشاهدته على احد الرابطين التاليين:
   http://www.al-nnas.com/flstchild.htm
   (كامل مع الصور والموسيقى لكن يتطلب وجود بور بوينت على الحاسبة)
   http://yanabeealiraq.com/video/s-kalil160109.htm
   (يمكن مشاهدته دون بور بوينت دون موسيقى)
   أما من لايريد مشاهدة العرض مع الصور المؤلمة، أو لا تساعده الشبكة على ذلك فسيفقد جزءاً هاماً، لكن لا مناص من الإكتفاء بكلمات القصيدة أدناه:
   
   **** قريبا مني ****
   شعر: أد كولكييس (هولندا)
   الترجمة العربية (بتصرف): صائب خليل
   
   على الارض قريبا مني
    ها هنا ترقد يا طفلي
   بجرحك العميق
    كخرقة بالية
    ممسوحة بالدم
    وغبار الطريق...,
    ها هنا وجدتك
    ذراعاك تضمان الفضاء وشفاهك ساكنة
    لاحرف يصعد من فمك المفتوح للهواء
    وروحي تبحث عن مرح حياتك
    ها هنا وجدتك....
    ملقىً على الارض،
    كخرقة بالية
    مصبوغة بالدم
   وغبار الطريق
    من اطلق النار؟
   من سطح بيت ومن خلف جدار
    من ارسل الرصاصة التي وجدت اليك طريقها؟
    تئز في مسارها
   لتستقر في راسك الصغير؟
   وها انت ذا..
    ملقىً على السرير
    بجرحك العميق
    كخرقة بالية
    ممزوجة بالدم
    وغبار الطريق
   الان ..ستفتح لك السماء ابوابها
   اما قلبي فسيغرق في الحزن الى الابد..
   ….
    انا..لا افهم هذا المصير..
   هل اسأت الى أحد؟.....
    وهذا الاخير..
    الم ير انك لم تزل
    طفل صغير!
   يا ولدي عد اليّ!
   فانت كل ما لدي
    اه لو اني انام مكانك..
   لتقف مكاني
   قبل قليل...
    تدور بقربي,
    وتهرب مني
    لتقطع دربي
    وتجذب ثوبي
    تناديني "ماما"
    فيخفق قلبي
    واشكر ربي
    ها انا قد ادركت الان
   بان ذراعي المحبة لا تكفي
    لدفع كراهية الانسان
    رصاصة
   أرسلها لقلبك الصغير..
    جندي يصطاد طفلاً....
    وانا...
    لم اقدر ان احمي طفلي..
    انظر ...
   ها انت على الارض بقربي
    بسلام ترقد يا طفلي
   ووجهك الرقيق
   بجرحه العميق
    كخرقة بالية
    معجونة بالدم
    وغبار الطريق...
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .