الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



العدوان على غزة والمفاهيم الملتبسة للنصر والهزيمة
بقلم :    أ-د/إبراهيم خليل العبد ابراش

الشيء المؤكد أن العدوان الإجرامي على قطاع غزة وبغض النظر عن نتائجه العسكرية والأمنية لن ينه حالة الصمود وإرادة المقاومة وبالتالي لن ينه الصراع مع إسرائيل ولا القضية الوطنية الفلسطينية،والشيء المؤكد الثاني أن المستهدف ليس حركة حماس ولا مطلقي الصواريخ بل الشعب الفلسطيني ككل كوجود بشري وإرادة صمود حيث غالبية الشهداء والجرحى ليسوا مقاتلين في حركة حماس هذا ناهيك على أن أبناء حركة حماس من الشعب وليسوا جموع مقاتلين مرتزقة مستوردين من الخارج،إسرائيل غير صادقة بأنها تستهدف فقط مقاتلي حركة حماس وإلا فالسؤال هل أن أبو علي مصطفى وياسر عرفات والشقاقي كانوا قادة في حركة حماس؟وهل أن آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من الجرحى ومثلهم من الأسرى كلهم من حركة حماس؟وإن كان المُستهدف فقط هي حركة حماس التي لم تظهر للوجود إلا سنة 19987 فهل كانت علاقة إسرائيل بالفلسطينيين قبل هذا التاريخ علاقة سلام وتعايش أم صراعا داميا ومريرا؟هل الذين قتلوا في مجازر دير ياسين و قبية وخانيونس وصبرا وشاتيلا و إيمان حجو ومروان فارس ومحمد الدرة وعائلة أبو غالي وأكثر من خمسة آلاف شهيد خلال انتفاضة الأقصى الخ هم من تنظيم حركة حماس؟إذا أخذنا الصورة في شموليتها الموضوعية والتاريخية سنخلُص بأنه صراع وجودي ما بين الشعب الفلسطيني والحركة الصهيونية وبالتالي فإن الرد على هذه المجزرة وعلى العدو الصهيوني يجب أن يكون ردا وطنيا شموليا وببعد عربي وإسلامي ومن الخطورة أن ننساق لما تريده إسرائيل بتحويل الصراع لصراع ما بين حركة حماس وإسرائيل أو بين عزة وإسرائيل.
   لو أن كل مجزرة ارتكبتها إسرائيل تُحسب نصرا لها لسطرنا لها عشرات الانتصارات ،ولكن ما قيمة هذه الانتصارات التي تراكمت طوال ستين عاما ولم تنه الصراع ولم تجبر الشعب الفلسطيني على الاستسلام؟إن ما تعتبره إسرائيل نصرا هو في الحقيقة هزيمة على المستوى الاستراتيجي لأنها (انتصارات) أطالت من عمر الصراع وعمقت الكراهية بين الشعبين،والمجزرة الجديدة في غزة لن تخرج عن السياق.ولكن في المقابل، صحيح أن الشعب الفلسطيني لم يستسلم ولم يرفع الراية البيضاء ولو وجدت إسرائيل في القيادات الفلسطينية من يرفع الراية البيضاء ويقبل بالشروط الإسرائيلية لحل الصراع لما أستمر الصراع مفتوحا حتى اليوم،ولكن يجب ألا نذهب بعيدا بالحديث عن النصر لأن كل طفل أو رجل يستشهد وكل معطوب وأسير وكل مؤسسة وبيت يُهدم هي خسارة للشعب وإضعاف لمقومات الصمود،عدم الاستسلام والصمود أمر محمود ولكنه لا يعتبر لوحده انتصارا ويجب على القوى السياسية أن لا تتحدث عن انتصارات لمجرد أنها بقيت على قيد الحياة أو أن قوة مقاتليها لم تتعرض للخسارة !،فالشعب أهم من القيادات ومن الأحزاب، وإن لم تكن وظيفة القيادة والمقاتلين حماية الشعب ودفع الأذى عنه وتحمل المسؤولية عما يلحقه،فما هي وظيفتها؟كما انه ليس صحيحا أن القدر كتب على الشعب الفلسطيني أن يستمر بتقديم التضحيات فيما تستمر القيادات جيلا بعد حيل تتحدث عن انتصارات تتعاظم كلما كَثُر عدد الشهداء وشدة المعاناة،ومن الخطورة توظيف الدين وليِّ عنق النصوص المقدسة لتبرير أخطاء وتقاعس السياسيين .نعم سيسجل التاريخ للمقاتلين وللشعب الصامد كل آيات الاحترام والتقدير ولكن سيُسَجل على السياسيين ما يستدعي المراجعة بل و المحاسبة.
   إذا وضعنا جانبا العواطف والانفعالات و المفاهيم الملتبسة للنصر والهزيمة، ولأنه ليس العدوان الأول ولن يكون الأخير،ولان هذا هو أخطر عدوان ليس فقط من حيث عدد الضحايا وحجم التدمير بل أيضا من حيث انه يجرى في ظل حالة انقسام جغرافي وسياسي فلسطيني خطير،فإن الأمر يحتاج لمعالجة مغايرة،معالجة لا تؤسس على مجرد وقف المجازر الحالية وحل مشكلة حصار غزة بل بالإضافة لذلك تعمل على إعادة الصراع لحقيقته وطبيعته الأولى كصراع وجودي بين الكيان الصهيوني من جهة وكل الشعب الفلسطيني من جهة أخرى وأن للصراع مع العدو وللقضية الوطنية ثوابت على رأسها حق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير والحق بالمقاومة والحق بالدولة المستقلة وعودة اللاجئين الفلسطينيين لمدنهم وقراهم التي تم تهجيرهم منها،هذه الثوابت تعني أن المشكلة ليست في غزة فقط بل أيضا بالضفة المحتلة والقدس وأنها معركة لا تخص فلسطينيي الداخل فقط بل أيضا الشعب الفلسطيني بالشتات،كما أنها قضية ذات بعد عربي وإسلامي.
   الانقسام السياسي والجغرافي خلق حالة من التعقيد في الحالة السياسية وهو الأمر الذي أتاح لإسرائيل ظروفا مريحة للتدخل لتسريع تنفيذ هدفها بتدمير المشروع الوطني الفلسطيني ولتجاوز قرارات الشرعية الدولية والاتفاقات الموقعة التي تطالب إسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وتعترف للفلسطينيين بالحق بالدولة والاستقلال،وسيكون من السذاجة الاعتقاد بأن هدف إسرائيل من حملتها العسكرية في غزة هو فقط منع إطلاق الصواريخ من غزة.نعتقد بأن الهدف الإسرائيلي يتجاوز ذلك بكثير، هدف إسرائيل بالإضافة لوقف إطلاق الصواريخ وفرض هدنة دائمة ووقف المقاومة هو تكريس فصل غزة عن الضفة وخلق أوضاع في غزة بصعب التراجع عنها لاحقا وزرع بذور فتنة وحرب أهلية مفتوحة في القطاع حتى تتفرغ إسرائيل للضفة الغربية والقدس استيطانا وتهويدا وتلغي عملية السلام المتوقفة أصلا،ولا نستبعد أن تقوم إسرائيل بتعاون مع أطراف أخرى بترتيب أوضاع سياسية وأمنية في القطاع قبل خروجها حتى تضمن نجاح مخططها.
   ‏13‏/01‏/2009
   
   
   =================
   
    عودة الوصاية العربية على الفلسطينيين:هل هي ممكنة؟
   
   لسنا بحاجة لما تحدث عنه الرئيس مبارك ولا لتخوفات ملك الأردن ولا لما كتبه جون بولتون حول عودة قطاع غزة للوصاية المصرية والضفة الغربية للوصاية الأردنية كبديل للدولة الفلسطينية المستقلة ونهاية القضية الفلسطينية،حتى ينتابنا الخوف على مشروعنا الوطني المتمثل بدولة مستقلة بالضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين الفلسطينيين،فمنذ أربع سنوات ونحن نكتب ونحذر من هذا المخطط .الشكوك كانت تنتابنا وتنتاب الكثيرين حول نوايا إسرائيل تجاه عملية السلام منذ أن بدأت تتهرب من تنفيذ ما عليها من استحقاقات بمقتضى الاتفاقات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية،وكان اغتيال اسحاق رابين على يد اليمين الإسرائيلي ثم منع تفعيل الممر الآمن بين غزة والضفة وعدم الانسحاب أو إعادة الانتشار في الضفة وانتهاء المرحلة الانتقالية لسلطة الحكم الذاتي في مايو 1999 دون الحسم بقضايا الوضع النهائي وبعدها ما جرى في شرم الشيخ وكامب ديفد الثانية واجتياح الضفة في 2002 ومحاصرة الرئيس أبو عمار ثم تسميمه ثم الانفلات الأمني وخصوصا بالقطاع بدء من عام 2004وبعده خروج الجيش والمستوطنين من قطاع غزة من طرف واحد 2005 وترك قطاع غزة معلقا من حيث الوضعية القانونية وما تلاه من فصل غزة عن الضفة في يونيو 2006... كل هذه كانت مؤشرات أو محطات في مسلسل تراجع إسرائيل عن نهج السلام والتخطيط لمخطط بديل لفرضه على الفلسطينيين،مؤشرات مشاركة أطراف عربية و فلسطينية بالمخطط سواء مشاركة فعلية أو مشاركة بالصمت تُستشف من خلال أن قرار الأردن بفك الارتباط مع الضفة لم تتم إحالته للبرلمان وبالتالي حفظ الأردن خط الرجعة وبقي القرار قرارا إداريا ولم يأخذ بعدا ومضمونا سياديا ،وبالنسبة لمصر فإن وجود وفد امني بقطاع غزة دون الضفة واستمراره بالقطاع حتى سيطرة حركة حماس على السلطة بالقطاع ثم مغادرته القطاع، يطرح أكثر من سؤال حول وظيفة الوفد الأمني بالقطاع وخصوصا انه لم ينجح في وقف الأحداث التي مهدت لفصل غزة عن الضفة؟كما أن التآمر الداخلي على الرئيس أبو عمار وحالة الفلتان الأمني التي صاحبت أواخر عهده والتدمير والفساد الممنهج لمنظمة التحرير ولحركة فتح ثم للسلطة كلها تدل على وجود أياد فلسطينية مشاركة بالمخطط ولو جهلا.
   
   نعتقد أن الأطراف التي أعلنت مؤخرا عن تخوفاتها من هذا المصير للمشروع الوطني لم تكن بعيدة عن المخطط بل كانت تعلم به وربما مشاركة وما تحذيرها منه اليوم إلا لان كل حلقات المخطط باتت تتكشف والمجازر الصهيونية في قطاع غزة كشفت أكثر حلقاته دموية وهي مرحلة تصفية المشروع الوطني بالقطاع بوضع شروط وصاية مصرية ودولية على القطاع بعد إنهاء المقاومة تمهيدا للانتقال للضفة في مرحلة تالية وبالتالي فهذه الأطراف تريد أن تُبعد التهمة عن نفسها لينطبق عليها المثل القائل (يقتل القتيل ويمشي بجنازته).
   من المعروف أن الضفة الغربية تم ضمها للأردن بعد حرب 48 و أهلها حملوا الجنسية الأردنية ولم يحدث فك الارتباط بين الضفة الغربية والأردن إلا عام وكان 1988 وكان إداريا ،وما زالت غالبية سكان الضفة بالإضافة إلى فلسطينيي الأردن يحملون الجنسية الأردنية ،أما قطاع غزة فقد خضع للحكم العسكري المصري منذ 1948 حتى عام 1967،وبالرغم من ذلك استنهض الفلسطينيون الحالة الوطنية وتمردوا على الوصاية وعلى تغييب الشخصية والهوية الوطنية وانطلقوا بثورتهم الوطنية مع حركة فتح ومنظمة التحرير التي شكلت تحالفا لقوى العمل الوطني من كل المشارب والانتماءات وهم تحت الوصاية العربية،ومنذ ذلك التاريخ فرض الشعب الفلسطيني بنضاله المسلح والسياسي والدبلوماسي معادلة جديدة في المنطقة مفادها أن الشعب الفلسطيني لم يعد جموع لاجئين ولا مواطنين من درجة ثانية في البلدان التي يتواجدون بها بل شعب له حقوق سياسية ومن حقه تقرير مصيره السياسي وقد تجاوب المنتظم الدولي مع هذه الحقيقة من خلال صدور عشرات القرارات الدولية تعترف بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني وحقه بتقرير المصير وبالدولة وتم فتح أكثر من مئة سفارة لفلسطين في العالم بالإضافة إلى صيرورة فلسطين عضوا رسميا وأساسيا في جامعة الدول العربية ومنظمات إقليمية ودولية وعضوا مراقبا في الأمم المتحدة.
   إذا كان الشعب الفلسطيني وقبل خمس وأربعين سنة وعندما كان تحت الوصاية تمرد على هذه الوصاية وعلى تغييب هويته الوطنية فكيف هو الحال اليوم بعد أن قدم الشعب عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين وتعرض للعديد من المجازر وخاضوا انتفاضتين شعبيتين ؟.أي نظام عربي يعتقد انه قادر اليوم أن يعيد الشعب الفلسطيني لوصايته هو نظام لا يعرف الشعب الفلسطيني ،وإن فكر أي نظام عربي بالمشاركة بهذه المؤامرة نتيجة ضغوط أو إغراءات أمريكية وأوروبية فإنه سيحكم على نفسه بالانهيار،فان تمد هذه الأنظمة نفوذها أو سيادتها على الشعب الفلسطيني أرضا وشعبا وهي التي تعاني أصلا من أزمة شرعية داخلية وعلاقاتها متوترة مع شعوبها فهذا هو الانتحار السياسي،أيضا فلا الشعب المصري أو الأردني سيقبل بان يشارك بهذه المؤامرة ولا أهل غزة والضفة سيقبلون بذلك هذا ناهيك عن الرفض الشعبي العربي لهذا المخطط.
   ومن جهة أخرى، وبعيدا عن الجانب الإرادوي لهذا النظام أو ذاك وبعيدا عن المخططات الإسرائيلية وربما الأمريكية فأن مصير الشعوب لا تحدده مؤامرات ومخططات الدول المعادية والأجنبية بل الشعوب نفسها كما أن هناك قرارات دولية تعترف بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني وهي قرارات لا تسقط بالتقادم كقرار التقسيم لعام 1947 وهو القرار الدولي الوحيد الذي منح الشرعية لوجود دولة إسرائيل بجانب دولة للفلسطينيين ،وقرار 194 الذي يتص على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين لمدنهم وقراهم التي هجروا منها وقرارات أخرى حول حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره السياسي،أيضا فإن منطلق مؤتمر مدريد للسلام ومن بعده اتفاقية أوسلو وخطة خارطة الطريق ومؤتمر انابولس ووعد بوش للفلسطينيين بدولة مستقلة... وبالرغم من تحفظاتنا على هذه القرارات والاتفاقات فكلها تؤكد على الجانب السياسي للصراع مع العدو الصهيوني وتؤكد على مسالة الدولة الفلسطينية المستقلة ،وعليه كيف يمكن تجاهل هذه الشرعية الدولية؟وضمن أية شرعية أو مرجعية قانونية يمكن إدراج مخطط الوصاية العربية على الضفة والقطاع؟.إذا كان الشعب الفلسطيني في الشتات والمنافي البعيدة وبعد أكثر من ستين عاما من النكبة لم ينس وطنه ولم يتخل عن هويته ،فكيف بالفلسطينيين الذين يعيشون على أرض فلسطين أو مجاورين لها وخصوصا أن هؤلاء يحملون الأنظمة العربية مسؤولية عن المعاناة والمجازر التي تعرضوا لها على يد الصهاينة؟
   الإرادة الإسرائيلية بتصدير فشلها وعجزها عن تركيع الشعب الفلسطيني وإجباره على التنازل عن حقوقه الوطنية،إلى الأنظمة العربية في مراهنة أن يدخل الفلسطينيون في مواجهات مع مصر والأردن بدلا من مواجهة الاحتلال،قد تجد قبولا من بعض الشرائح السياسية والنخب المالية الفلسطينية والعربية إلا أن الهوية الوطنية الفلسطينية التي تعمدت بالدم ومقابر شهداء فلسطين المنبثة في مدن ومخيمات الضفة والقطاع وفي عمان ودمشق وبيروت والتي سيضاف لها مقابر شهداء مجازر العدو في غزة ،واسم فلسطين الذي تحول لرمز للبطولة والعطاء والثبات والتمسك بالحقوق الوطنية،وكوفية أبو عمار والكرسي المتحرك للياسين والدماء المتناثرة لجسدي أبو على مصطفي والشقاقي ... كل ذلك يشكل ضمانة فشل كل مخططات تجاوز الرقم الفلسطيني الصعب ،قد نختلف كفلسطينيين على الوسائل ويمكن على الأهداف وقد تتقاتل الفصائل ،ولكن عندما يصبح الوجود الوطني مهددا وعندما نصبح مهددين بالعودة لإذلال أجهزة الأمن والمخابرات العربية على المعابر وفي المطارات وفي مقرات الأجهزة الأمنية فالأصالة والوطنية الفلسطينية التي تعمدت بالدم ستعلن عن نفسها ونتمنى انه بعد المجازر التي يتعرض لها أهلنا في غزة ستشهد الحالة الفلسطينية صحوة وطنية جديدة تتجاوز الخلافات والمصالح الحزبية الضيقة.
   لا شك أن المشروع الوطني يعيش مأزقا تأسيسيا قبل أن يكون مأزقا ناتجا عن الخلافات الفلسطينية الداخلية،وهذا المأزق له علاقة بالجغرافيا السياسية ،ذلك أن نجاح هذا المشروع مرتهن بنجاح التسوية وبموافقة إسرائيل التي تقع جغرافيا بين شطري الدولة الفلسطينية الموعودة،ولكن وجود هذا المأزق الذي تكرسه المفاوضات والتسوية السياسية الفاشلة لا يعني بالضرورة تصفية القضية الوطنية واللجوء لخيار الوصاية العربية بل البديل هو خيار الدولة ثنائية القومية على كامل فلسطين التاريخية ،وحيث أن إسرائيل تعتبر هذا البديل مقتلا لها ولتطلعها للدولة اليهودية الخالصة فإنها تدفع باتجاه خيار تصفية القضية من خلال الأردن ومصر. وأخيرا نقول بأن العدوان على غزة افشل من حيث لا تحتسب إسرائيل مخططات الوصاية وتصفية القضية الفلسطينية،ونتمنى ألا يوظف البعض دماء الشهداء والجرحى وحالة الدمار ليتحدث عن انتصارات وهمية تدعم مشروعه السياسي الخاص .
   ‏09‏/01‏/2009
   
   
   =============================
   مصير قطاع غزة والمشروع الوطني
   بين مجلس أمن متواطئ وقمة عربية بغير إجماع
   
   كل المراقبين يلمسون غموض أهداف العدوان على قطاع غزة الذي أخذ شكلا غير مسبوق من حيث درجة إجرامه،ربما كان صناع القرار في إسرائيلي لم يحددوا بشكل نهائي وقاطع الهدف النهائي للعملية وتركوه مرنا حسب مجريات الأمور العسكرية على الأرض وحسب ردود الفعل السياسية والدبلوماسية الدولية وربما حددوا الهدف النهائي والاستراتيجي ولكنهم لا يريدوا ان يصرحوا به إما خوفا من عدم القدرة على تنفيذه مما سيُظهر الجيش بمظهر العاجز والفاشل إن لم يتحقق الهدف،أو لأنه ليس من المصلحة كشفه خشية من ردود الفعل الدولية وربما الداخلية،وإن كنا نعتقد أن وقف إطلاق الصواريخ والهدنة طويلة الأمد من الأهداف الرئيسة إلا أن إسرائيل قد ترمي لتنفيذ المرحلة الأخيرة من خطة شارون للانسحاب من قطاع غزة والتي بدأ تنفيذها عام 2005 ،وخطة شارون جزء من خطة اشمل تهدف للتخلص نهائيا من المسؤولية عن القطاع وإعادة ترتيب أوراق الصراع في المنطقة بمعادلة سياسية جديدة تلغي مشروع الدولتين وتعيد غزة لشكل من الوصاية المصرية وما يتبقى من الضفة للأردن.وحيث أنه ليس من مهمة الجيوش رسم الأهداف السياسية بل خلق الظروف المناسبة لينفذ السياسيون أهدافهم،فإن هدف العدوان على غزة هو تحريك عملية سياسية ودبلوماسية تؤدي لترتيبات سياسية وأمنية جديدة تضع المخطط المشار إليه موضع التنفيذ.
   في هذا السياق يمكن الربط بين العدوان على غزة وما صرح به الرئيس المصري حسني مبارك و العاهل الأردني عبد الله وكذا جون بولتون المندوب الأمريكي السابق بالأمم المتحدة في نفس الوقت تقريبا ومن منطلقات مختلفة بأن الحل القائم على الدولتين لم يعد قابل للتطبيق وهناك محاولات لربط غزة بمصر والضفة بالأردن،والربط بين هذه التصريحات وقرار مجلس الأمن الأخير والمبادرة المصرية والتحرك العربي الرسمي.لا شك أن مجلس الأمن متواطئ مع العدوان الإسرائيلي ولكنه في نفس الوقت ملتزم بقرارات دولية سابقة واتفاقات موقعة بين الفلسطينيين وإسرائيل ومبادرات تسوية لها طابع دولي نسبيا،وكلها تتعامل مع الضفة الغربية وقطاع غزة كوحدة ترابية واحدة وبمرجعية سياسية واحدة هي السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية ،وبالتالي لا يرغب أو لا يستطيع مجلس الأمن الآن أن يتخذ بشكل مباشر ومفضوح قرارات تتناقض مع قراراته السابقة أو يُستنتج منها إنهاء مسلسل التسوية وجهود الرباعية الدولية، وعليه رمى مجلس الأمن الكرة بالملعب العربي والمصري تحديدا لوضع الترتيبات التي تحدد الوضعية القانونية لقطاع غزة من حيث العلاقة بمصر و العلاقة بالضفة الغربية والسلطة،ومجلس الأمن يأمل أن يكون قرار تكريس فصل غزة عن الضفة وإنهاء المقاومة و المشروع الوطني الفلسطيني، قرارا عربيا وفلسطينيا ويُستحسن أن يكون من خلال قمة عربية وبعد ذلك يمكن مباركته دوليا.
   عليه، فإن العدوان على غزة و قرار مجلس الأمن و المبادرة المصرية والحديث عن إرسال قوات أو مراقبين دوليين لقطاع غزة وهدنة طويلة المدى كلها خطوات تضع الفلسطينيين أمام منعطف مصيري يتجاوز مسألة غزة ليمس جوهر القضية الوطنية،بالتالي فإما أن ينساق الفلسطينيون وراء ما ترمي إليه إسرائيل ومن يدورون في فلكها من تكريس الفصل بين الضفة وغزة وتصفية المشروع الوطني وخصوصا أن إرسال قوات أو مراقبين دوليين للقطاع فقط وبدون وحدة شطري الوطن يعني نهاية المقاومة والمشروع الوطني التحرري لأن هذه القوات لن تأتى لترعى حركة تحرر أو تسهل مهمتها،وإما الانسياق للمصلحة الوطنية العليا والربط بين كل القضايا وخصوصا المعابر والتهدئة والمصالحة الوطنية بما يضمن الحفاظ على وحدة الضفة والقطاع ووحدة السلطة الوطنية. وقف العدوان وفتح معبر رفح ورفع الحصار عن غزة يجب أن يكون على سلم الاهتمامات ولها الأولوية،ولكنها لوحدها لا تكفي ولا تعطي أية ضمانات بعدم تكرار المجزرة بعد حين في غزة أو في الضفة.
   
   إذا ما اقتصرت الجهود الآن على وقف العدوان ورفع الحصار وفتح معبر رفح،يبقى السؤال الأهم ،ما هو الثمن الذي على الفلسطينيين دفعه مقابل ذلك؟وماذا بعد ذلك؟.ماذا بالنسبة للوضعية القانونية الدولية لقطاع غزة؟هل هو كيان مستقل أم خاضع للاحتلال؟وهل العلاقة بين مصر وغزة ستكون علاقة دولة بدولة؟وما نوع جواز السفر الذي سيستعمله المسافرون عبر معبر رفح؟ هل هو الجواز الفلسطيني الموحد الحالي أم جواز خاص بأهل غزة؟وإن كان الجواز الحالي فمن سيصدره ويمنح التأشيرات اللازمة،حكومة غزة أم حكومة الضفة؟ وإن كان موحدا ألا يحتاج الأمر للتنسيق بين الضفة وغزة وبالتالي لمصالحة وطنية؟ وماذا بالنسبة للاقتصاد: الجمارك والضرائب وغيرها من الأمور؟فمن المعروف أن ما يحكم الجانب الاقتصادي حتى الآن هو بروتوكول باريس ،فهل ستكون اتفاقية اقتصادية جديدة بين مصر وحكومة حماس بالقطاع أم سيستمر اقتصاد الأنفاق والتهريب؟ وماذا بالنسبة للعلاقات الدبلوماسية؟ هل ستكون ممثليات أجنبية في القطاع وأخرى في الضفة؟وهل ستكون سفارات لدولة غزة وسفارات لدولة رام الله في الخارج؟ ،ويمكن أن نتساءل أيضا حول مناهج التعليم وهل ستبقى موحدة أم سيكون منهاجان مختلفان وإن بقي موحدا ألا يحتاج الأمر لمصالحة حتى تكون شهادات موحدة ،وعشرات التساؤلات الكبيرة التي تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة وتنظر للموضوع في كليته الوطنية.
   .قد يقول قائل إنه ليس وقت هذه التساؤلات فوقف المجزرة له الأولوية على كل شيء،وهذا كلام صحيح ولكن بسبب هذه النظرة الجزئية حدث العدوان والمجزرة،بمعنى انه قبل العدوان وبسبب أن حركة حماس ومن يدعمها خارجيا أرادوا فقط فتح معبر رفح ورفع الحصار بعيدا عن المصالحة الوطنية والتعامل مع القضية ببعدها الوطني الشمولي،حدث العدوان،وبعد أن كانت الأولوية لرفع الحصار أصبحت اليوم لوقف العدوان ولا نعرف غدا ما هي الأولوية فربما تكون فتح الطريق بين شمال القطاع وجنوبه. إن مَن يسعى لاختزال المعركة بفتح معبر رفح فقط خارج إطار المصالحة الوطنية إنما يشارك في تدمير المشروع الوطني وفي تقديم خدمة للعدو الصهيوني بوعي أم بدون وعي،ومن العار والظلم أن تُوظف دماء أكثر من ألف شهيد وخمسة آلاف من الجرحى والدمار الهائل في البيوت والمؤسسات ورعب الأطفال والنساء، للحديث عن نصر موهوم يوظف لخدمة مشروع حزبي على أنقاض المشروع الوطني التحرري.وفي هذا السياق يجب التحسب من العملية السياسية والدبلوماسية الجارية سواء بالنسبة لمجلس الأمن أو القمة العربية والموقف المصري منها.
   من يتابع الجدل الحاد حول عقد القمة وخصوصا بين المحور الذي تقوده مصر والسعودية والمحور الذي تقوده قطر وسوريا،سيضن بأن الأمة العربية استعادت عافيتها فجأة وان هذه القمة ستغير الأوضاع في المنطقة وأنه سيصدر عنها مبادرة سياسية وربما قرارات عسكرية تكون بديلا أكثر تصلبا للمبادرة العربية للسلام التي يطالب أمير قطر بتجاوزها،فيما كل المؤشرات تقول بأن الوضع العربي الرسمي في أسوء حالة ،ومع ذلك لا بد من ان يتحمل العرب دورهم وان يتم عقد قمة عربية متمنين ألا يكون هناك أمور خفية تقف خلف هذا الجدل حول القمة و ألا تكون هناك مؤامرات تحاك لتمريرها من خلال القمة.قد تعتقد القمة العربية بحضور مصر والسعودية أو بدونه وحيث أن دولة قطر وسوريا هما الداعيتان للقمة والمتحمستان لها فإن أهم القرارات المتوقع صدورها من القمة هي وقف إطلاق النار وسحب القوات الإسرائيلية وهدنة سيتم الاتفاق على مدتها والأهم من ذلك فتح معبر رفح ورفع الحصار عن غزة،وحيث أن القمة العربية لا تملك الحق ولا الآلية لتنفيذ قراراتها وخصوصا في ظل الخلافات بين الدول العربية وحالة الضعف في الموقف الرسمي العربي ،وحيث أن مفتاح تنفيذ الجزء الأهم من القرارات بيد مصر ،وحيث أن مصر لا تريد أن تتحمل لوحدها مسؤولية فتح معبر رفح لما سيؤدي إليه من تكريس فصل غزة عن الضفة والاعتراف ولو بحكم الأمر الواقع بدولة أو إمارة حماس بغزة،لكل ذلك سيعود الملف مجددا لمجلس الأمن ليصدر قرارا جديدا معتمدا على هذه القرارات أو مستأنسا بها.
   الخطورة في العملية الدبلوماسية الجارية أنها تجري في ظل استمرار حالة الانقسام الفلسطيني والعربي بل زاد الانقسام تعمقا،وأن تعود المسألة مرة أخرى لمجلس الأمن في ظل هذا الانقسام فلن تكون قراراته إلا تكريسا لحالة الانقسام .حيث أن موازين القوى في مجلس الأمن معروفة، فنخشى أن قراره لن يكون إلا بما يرضي إسرائيل أولا،ونعتقد أن هذا القرار ستقبل به كل الأطراف مع بعض التحفظات الشكلية.ستقبل حركة حماس بالقرار لأنه سيرفع الحصار ويفتح معبر رفح وسيعترف لها بدور سياسي وربما بصفة تمثيلية في قطاع غزة ،وستقبل به إسرائيل لأنه سيضع حدا للمقاومة وخصوصا إطلاق الصواريخ وسيؤمن حدودها مع القطاع والاهم من ذلك سيكرس الفصل بين الضفة وغزة وكعادة إسرائيل مع القرارات الدولية ستقوم بتفسير القرار وتنفذه بما يتوافق مع مصالحها فقط،وسيُرضي القرار أيضا مصر لأنه سيبعد عنها الضغوط والاتهامات الشعبية بالتواطؤ مع الاحتلال وسيبعد عنها المسؤولية التي ستترتب عن فتح المعبر بدون مصالحة فلسطينية لان مصر ستتذرع بقرار قمة عربي وبقرار مجلس أمن،أيضا سيرضي القرار أنظمة عربية ستجد في الحفاظ على سلطة لحركة حماس في القطاع نصرا لأجندتها ومشروعها السياسي و يكرس لها دورا عربيا وإقليما وسيُظهرها وكأنها قامت بواجبها القومي والديني وكانت عند حسن ظن الجماهير الشعبية ما دامت رفعت الحصار عن غزة.وقف العدوان ورفع الحصار إنجاز مهم ولكن وحتى لا تكون قرارات القمة تجاوزا للمشروع الوطني الفلسطيني ولتبديد التخوفات من مؤامرة تصفية هذا المشروع بتكريس القطيعة بين الضفة وغزة وقطعا للطريق على قرار دولي يصفي القضية الفلسطينية لغير صالح الشعب الفلسطيني ،نتمنى أن تكون كل الخطوات في إطار مصالحة فلسطينية أو على الأقل بتنسيق ما بين حركني فتح و.حماس وبقية القوى السياسية الفلسطينية وبما يحافظ على الثوابت الوطنية وخصوصا وحدة الضفة وغزة وسلطة واحدة وحكومة واحدة.
   ‏14‏/01‏/2009
   
   
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .