الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



الانقسام الفلسطيني وقود «الحرب السابعة » وجائزتها....
بقلم :    أيمن اللبدي

العدوان العسكري الصهيوني المفتوح على قطاع غزة يدخل أسبوعه الثالث بتسعير وحدة مضاعفة، ودائرة الاستهداف في حرب الدولة العبرية المغتصبة ضد الشعب الفلسطيني تتسع أكثر فأكثر، والتوصيف الذي أطلقه السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» على هذا العدوان باسم « الحرب السابعة»، هو توصيف دقيق تماماً، تبقى أن نتيقن من أن السيد مشعل قد أطلق هذا التوصيف بناءً على تحليل استراتيجي لهذه الحرب، أم بناءً على اعتبارات أخرى قد تبدو بالنسبة إليه محقة، لكنها ليست في وارد تحقيق الصفة من الناحية الاستراتيجية فيما يتعلق بموقعها في لائحة تنفيذ الاستراتيجيات الصهيونية.
   
   من الواضح الآن أن هذه الحرب الصهيونية الطاغية ليست عملية انتقامية من حركة «حماس»، وهي ليست رداً على إطلاق الصواريخ والمقذوفات الفلسطينية من قطاع غزة تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي بهذا الحجم وبهذا التصميم والكثافة والقوة الضارية المدمّرة ليست أيضاً مجرّد محاولة رد الاعتبار للعسكرية الصهيونية المتأثرة من نتائجها السلبية كما تقيسها هي في حربها وعدوانها على لبنان في صيف العام 2006، وهي بالقطع ليست مجرّد سيناريو انتخابي وأجندة محلية، ولا شك أن وجود إجماع كامل صهيوني عليها للمرة الأولى في تاريخ الحروب الصهيونية، وإشارات واضحة جاءت متأخرة من رئيس الكيان الصهيوني شمعون بيرس الذي نطق أخيرا ليقول بأن: ما حققه كيانه في أسبوعين هو أكثر مما حقه في محاربة ما يصفه « الإرهاب » في ستة عشر عاماً، لتقود جميعها إلى تحديد الهدف الاستراتيجي للحرب السابعة.
   
   بالطبع فإن الأهداف الحقيقية لهذه الحرب هي في الخلفية تماماً، وإظهار الأهداف الوسيطة أو المرحلية على الطريقة التلفزيونية التي يجري التعامل معها، هو أمر تلقائي ومقصود فقط كجزء من الأداء المفترض في قيادة الحروب الاستراتيجية أو حتى الحروب التكتيكية بشكل عام، فمن المؤكد أن الدواعي الميكانيكية المباشرة التي ترد إلى الذهن كأسباب ذات قيمة في وجهة النظر التحليلية للحدث نفسه وملابساته من حيث السياق التاريخي القريب، ستقود طبعاً لاعتبار أهداف محددة لهذه الحرب، وهي تقع في المنظورين الزمنيين القريب والأوسط، وبتدقيق أشمل وببحث في سياق تاريخي أبعد، يمكن الوصول إلى الأهداف الحقيقية الاستراتيجية بعيدة المدى، تلك الأهداف التي استدعت وصفها من قبل عدة أطراف هامة بأنها تشكّل مؤامرة تصفية على القضية الفلسطينية، فما هي هذه الأهداف وما هي السيناريوهات المتوقعة لها ؟
   
   يقود هذا التحليل إلى طرح الاستنتاجات التالية في جملة الأهداف:-
   
   أهداف سريعة ومباشرة:
   1- إعادة ترميم قوة الردع الاستراتيجية العسكرية الصهيونية وتوجيه ضربة مضادة وخلق أجواء رسالة ردع جديدة لكل القوى في المنطقة بما فيها بعض الدول في الإقليم.
   2- تأمين حظوظ انتخابية لحزب كاديما وحليفه حزب العمل في الانتخابات الصهيونية القادمة، وقطع الطريق على عودة الليكود واليمين الصهيوني بقوة للساحة السياسية في الكيان لفترة زمنية طويلة.
   3- إعادة الاعتبار لبعض السياسيين الصهاينة في حسابات شخصية وفي مقدمتهم أيهود أولمرت الذي يغادر موقعه تحت ضغط فضائح الفساد.
   
   
   
   أهداف وسيطة أساسية:
   1- استكمال عملية«السور الواقي» في العام 2002 في الضفة الغربية الفلسطينية، وفي قطاع غزة عبر عملية «الرصاص المصبوب» في العام 2009، ومحاولة الحصول على ذات النتائج الميكانيكية المباشرة وهي: حصار خارجي وداخلي أمني، حواجز وتقطيع ومعابر، سيطرة وتحكم، والسماح لعمليات محدودة قي متابعة الاحتياجات اليومية للسكان وبتمويل أوروبي، ومفاوضات سياسية طويلة المدى دون نتائج حقيقية.
   2- ضرب خيار المقاومة الفلسطيني نفسه بكل قواه، سواء بقوة حركة حماس أو بقية فصائل العمل الوطني والإسلامي بما فيها الكتلة الأكبر لحركة فتح والتي من الممكن أن تشكّل خطراً كبيراً إذا ما قرّرت الحركة الوطنية الفلسطينية الخروج إلى خيار مقاومة مفتوح ببرنامج سياسي كامل وشامل.
   3- إرباك العمل السياسي العربي والإجهاز على مبادرة السلام العربية وإعادة خلط الأوراق السياسية في المنطقة، والعودة لفرض شروط جديدة بعد إعادة سحب جميع الأوراق السياسية وتجميعها في يد الكيان الصهيوني من جديد.
   
   الأهداف بعيدة المدى:
   1- تحقيق الأهداف الاستراتيجية الصهيونية المعدّلة ، والقاضية بمنع تحقيق أي فرصة في قيام دولة فلسطينية سيّدة ومستقلة وقابلة للحياة، ويمكن السماح بقيام إما كيانات هزيلة متناقضة في الضفة وغزة، أو إعادة تصدير الأزمة إلى الدول المجاورة من خلال حلول الترانسفير أو التقاسم الوظيفي.
   2- استثمار وتعزيز الانقسام الوطني الفلسطيني وتوفير ضمانات تصديره للمنطقة العربية وخلطه بانقسامات عربية مماثلة تمنع إمكانية قيام أي خيارات حقيقية للنهوض والمبادرة عربياً.
   3- استغلال نواتج الحرب التدميرية على دولة العراق، وحصار الدولة المصرية وإنهاكها وتوفير فرص فرض التقسيم والتجزئة على بقية الدول العربية الفاعلة، والنّفاذ إلى ثروات هذه الدول في الإقليم على حساب مكوناتها العربية، ومواجهة القوى الإقليمية الأخرى المتمثلة في كل من إيران وتركيا في حروب وكالة داخل الإقليم العربي.
   
   في الواقع إن تتبع هذه الأهداف القريبة والمتوسطة الزمن يمكن ملاحظته من خلال جملة المؤشرات القوية البارزة في طريقة تعامل الدولة الصهيونية مع سياقات الحرب المفتوحة، أما الوصول إلى الأهداف الاستراتيجية البعيدة وتلمّسها يلزم تتبع نشوء وركائز الاستراتيجيات الصهيونية بمسارها الزمني الأبعد والتحويرات والتعديلات التي جرت عليها.
   
   الاستراتيجيا الصهيونية قامت منذ اغتصاب فلسطين على ثلاث ركائز على الأقل، تشكّل في جوهرها أهداف وفي ذات الوقت علامات تقييم لفاعلية هذه الاستراتيجيا، ليس فقط في مواجهة الشعب الفلسطيني وظهيره من الشعوب العربية، بل وحتى في موضوعة الدور وطبيعته الذي من المفترض أن تنهض به وترعاه الدولة الصهيونية في هذه المنطقة، باعتبارها قاعدة الأداء المتقدّم للكولونيالية الاستعمارية ولاحقاً للإمبريالية الأمريكية، وباعتبارها تقوم بتنفيذ شروحات التوكيل الذي جرى التعاقد عليه سلفاً، وهذه الركائز تقوم على ما يلي:-
   
   أولاً:- نفي وجود الشعب الفلسطيني وطمس كل المشعات التي قد تكون لا زالت عاملة في الإشارة إلى عكس هذا الهدف، والتعامل مع هذا الهدف كأساس راسخ في كل السياقات التي قد تطرأ لاحقاً وتفترض تغييراً في النقلات الوسيطة التكتيكية.
   
   هذا الهدف لم يتحقق لهذه الاستراتيجيا بالشكل الذي كانت تصرُّ عليه، ولم تصمد الشعارات السياسية التي أطلقتها الدولة المغتصبة طويلاً أمام صمود وتضحيات الشعب الفلسطيني، ولا سيما بعد انطلاق ثورته المعاصرة الثانية في كانون الأول من عام 1965 وقيام أضخم عملية تحويل في التاريخ بانتقال ملايين الفلسطينيين، من مجرّد لاجئين ومشرّدين إلى ثوار من أجل الحرية، ونهوض كيان سياسي جامع وجبهوي يشكّل بيتاً لكل الفلسطينيين، ويقوم بعملية تجسيير للمكونات الناقصة وهي الجغرافيا السيّدة.
   
   دخلت الدولة الصهيونية حربها على (م.ت.ف) في لبنان تحديداً، لتحقيق كسر عنيف على معادلة الصراع التي بدأت تؤشر بقوة نحو مرحلة ثانية كانت قد اعتمدتها الحركة الوطنية الفلسطينية في استراتيجيتها الدفاعية للرد على هذا العامل، فقد كانت المرحلة التي بدأت بها الحركة الوطنية الفلسطينية وعبر منظمة التحرير الفلسطينية تقوم على أساس تثبيت صمود الداخل الفلسطيني، وتجميع شتات المنفى الفلسطيني، وتحويل الجامع الأكبر من قوى الشعب الفلسطيني نحو التثوير والعمل الثوري النضالي والكفاحي بأعلى الوتائر.
   
   لم تستطع الاستراتيجيا الصهيونية تحقيق هذا العامل وهذه الركيزة الأولى في استراتيجيتها رغم حربها العنيفة ضد منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، تلك التي اسمرت لمدة ثمانية وثمانين يوماً جرّبت فيها الدولة الصهيونية كلَّ ما لديها من قوة وكثافة نيرانية، ورغم خروج قوات الثورة الفلسطينية في العام 1982 من بيروت، فإن انتقال ثقل العمل الوطني الفلسطيني تلقائيا للانفجار في داخل الوطن المحتل مع قدوم الانتفاضة المجيدة عام 1988، وما تبعه من استحقاقات عملية مدريد وممر أوسلو، أدى كلُّ ذلك لإجراء تعديل أساس على هذه الركيزة بهذا المعنى السابق، حيث تيقّنت الدولة الصهيونية أن من المحال إنجاز هذا الهدف بهذا الشكل، ولذا أقدم رابين على قبول أوسلو بعد السماح بإجراء هذا التعديل الإلزامي.
   
   أصبحت الركيزة الأولى في الاستراتيجية الصهيونية منذ تاريخ أوسلو تقوم على التالي:
   
   ( منع الشعب الفلسطيني بكل السبل الممكنة من تحقيق المصير وإقامة كيان سياسي سيّد ومتصل وقابل للنمو بحيث يمكنه استيعاب مكوّنات قوة إضافية عنصراها الأهم: الخبرة والديموغرافيا)
   
   وتبعاً لهذا التغيير بدأت الدولة العبرية باستهداف مكوّنات متوقعة لهذا الكيان عبر استهداف كل المنشآت والمؤسسات التي خرجت عن إطار كان قد ترك لها هامشاً محدداً في عملية أوسلو، فالمجلس الاستشاري حوله عرفات إلى برلمان ومجلس تشريعي، ومؤسسات الإدارة المدنية التي ورثتها السلطة الفلسطينية عن الاحتلال العسكري المنسحب تحوّلأت إلى وزارات، والمجلس التنفيذي تحوّل إلى حكومة، وعدة مئات من عناصر الشرطة الفلسطينية تحوّلت إلى أجهزة أمنية وقوات أمن وطني وهكذا، وعليه وجهت الاستراتيجية الصهيونية ضربتها الأولى في العام 2002 في عملية السور الواقي، بينما ها هي تستكمل عملها ضد الجزء الثاني في قطاع غزة في هذه الحرب الحالية من العام 2009.
   
   لا شك أن الصياغة التي تطرحها الدولة الصهيونية على الفلسطينيين وعبر عمليات التفاوض طويلة المدى بحسب نظرية شامير المشهورة، لا تقود إلا إلى تكريس التحوير الذي أجرته بنفسها على استراتيجيتها، وهي تسعى إلى تحويل أي كيان في السلطة الوطنية الفلسطينية إلى كيان سياسي مسحوب السيادة وهو أحد أهم الأركان في وجهة نظرها، دون سيادة على الأرض ولا المياه ولا الثروات ولا الحدود، وهو كيان معزول بالحواجز والجدار أشبه ما يكون بالكانتونات، والمناورات الصهيونية قائمة على أساس إطالة أمد هذه المفاوضات لأن حقيقة الواقع على الأرض هو تشكيل «أرخص احتلال ممكن».
   
   جاء الانقسام الفلسطيني الذي شكلته أحداث صيف العام 2006 هدية ثمينة للاستراتيجيا الصهيونية ولهدفها المعدّل، وشرعت هذه الاستراتيجيا في استغلاله إلى النحو الأقصى عبر تغذيته وتسمينه، ومن ثم التمهيد لغرسه وترسيخه أطول مدة زمنية ممكنة، وبالطبع فإن حرباً على غزة لا تقطع رأس حركة حماس فيها كما تعلن ليل نهار، وفي نفس الوقت لا تسمح لها بالحلول محل الطرح الوطني الفلسطيني السابق في مسألة المقاومة وتبنيها بما يشكّل خطراً على خيارها في إعادة خلط الأوراق من جديد، ستعطي هذه الاستراتيجية مفاتيح إضافية لتعزيز هذه الركيزة، وبالقطع ثمة سيناريوهات موجودة لطريقة التنفيذ وبحسب نتائج المعركة القائمة على الأرض شرطه الأساس للتنفيذ بقاء الانقسام السياسي الفلسطيني سائداً، ولكن إذا ما جرى تغيير في حالة الانقسام لصالح الوحدة الوطنية الفلسطينية، فإن كل الترتيبات التي تعدها هذه الاستراتيجيا ستنهار.
   
   السيناريوهات التي من الممكن أن تقبل بها حكومة أولمرت الصهيونية تتراوح من قبول تهدئة طويلة الأمد بوجود قوات دولية أو أي صيغة أخرى تضمن عدم توفير إمداد لوجستي عسكري للمقاومة في غزة، أو فرض وضع شبيه بوضع الضفة الفلسطينية في قطاع غزة من حيث السيطرة الأمنية الأساس واستخدام نظرية المعازل من الداخل بالإضافة للحصار الخارجي.
   
   ثانياً:- الركيزة الاستراتيجية الثانية في الدولة الصهيونية قائمة على أساس مواجهة عامل الديموغرافيا الفلسطيني دون هوادة، والتأكد من تحضير الخطط المختلفة لضمان التعامل مع هذا العامل الخطر بالنسبة لها والمصيري، وهي تنحو في هذه الركيزة إلى استخدام سيناريوهات مختلفة:-
   
   1- منع أي إمكانية لتعزيز العامل الديموغرافي فلسطينيا بالتوالد الطبيعي وذلك عبر تعزيز عوامل الطرد الذاتي وخاصة في مدينة القدس المحتلة، والتضييق على المساحات الجغرافية التي يتواجد فوقها الفلسطينيون مع احتماليات الامتداد عبر عمليات المصادر والضم والقضم المنهجي، والضغط الاقتصادي والنفسي وتوفير عوامل الإحباط المتعددة لزيادة معدلات الانتقال تجاه الخارج.
   2- وضع شرط يهودية الدولة كشرط أساس في أي عملية تسوية سياسية قادمة تقود إلى وضع الفلسطينيين في داخل فلسطين المحتلة منذ عام 1948 تحت تهديد الدفع للخارج، سواء عبر اقتراح عمليات مقايضة الأرض للتخلص من سكان المثلث الفلسطيني في قرى الطيبة والطيرة وقلنسوة، أو عبر عمليات تهجير منهجي لمسيحيي الأرض الفلسطينية وافتعال فتن طائفية لم تنجح بها حتى الساعة.
   3- العمل على ضمان عدم تحقيق أي فرصة لحق العودة الفلسطينية وتوفير فرص توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول المضيفة أو الدول الأوروبية، ورعاية أي أزمات في دول الجوار لتحقيق استهداف مركّب لهذه الكتل الديموغرافية.
   4- أخذ عوامل الحلول على حساب الدول العربية المجاورة بعين الاعتبار ووضع خطط سياسية من الممكن أن تؤدي لتأمين هذه الحلول، مثلاً فإن خطة الدول الثلاث تعتمد على أساس دفع الكتلة الديموغرافية الأولى في قطاع غزة تجاه مصر، أو توريط مصر بحلول من نمط اقتطاع جزء من سيناء وتبادلها بمساحات من النقب، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالكتلة الثانية في الضفة الفلسطينية مع الأردن بل إن إمكانية إعلان الأردن دولة فلسطينية بديلة كانت ولا زالت حتى عهد قريب هي الخيار المفضّل لليمين الصهيوني، وتصريحات بعض الجنرالات المتقاعدين منذ فترة بأن الملك عبد الله الثاني هو آخر الملوك في الأردن واحدة من المؤشرات على هذه الخيارات.
   
   ثالثا:- أما الركيزة الثالثة في الاستراتيجيا الصهيونية فهي تقوم على أساس تصدير الأزمات للدول العربية، وتحقيق عوامل تحويل المشاكل الناجمة عن العمليات التكتيكية الصهيونية وحروبها إلى الإقليم العربي، حيث تخدم هذه الناحية كلي الهدفين معاً: الأول في اعتباره الوسيلة المفضَلة لتخفيف الضغط عن الكيان الصهيوني نفسه، وجر شركاء آخرين من العرب لتحميلهم أجزاء وأكلاف من هذه الضغوط، والثاني:- تحقيق منافذ للأدوار الاستراتيجية في الإقليم على حساب دول الإقليم العربي.
   
   إن خيارات منظمة التحرير الفلسطينية الرئيس في مواجهة الاستراتيجيا الصهيونية متعددة الأغراض والأوجه، قامت منذ البداية على مواجهة هذه الركائز من خلال الإصرار على شروط تحقيق المصير للشعب العربي الفلسطيني، واستخدمت السياسة الفلسطينية خيار الحل المرحلي نتيجة لعدم إمكانية توفير كل شروط الخطة الاستراتيجية المضادة التي اعتمدتها منذ البداية، ففي حين أمكنها تحقيق الجزء الأول من شعارها ( وحدة وطنية - تعبئة قومية – تحرير) بالحفاظ على الوحدة الوطنية وخيارات هذه الوحدة في استقلال القرار الوطني الفلسطيني وكان هذا العامل كافياً لإنجاز أهم صخرة لإفشال معظم الخطط التي وضعت للتعامل مع الهدفين الأول والثاني في هذه الاستراتيجية حتى الساعة.
   
   لكن التعبئة القومية والتحرير لما ينجزا بالشكل الذي كانت تطمح له منظمة التحرير الفلسطينية، وتتبع سياق ذلك تاريخيا يحتاج لدراسات متخصصة وخلاصات أخرى ليس موضعها هذا المقال، ولكن من المهم الإشارة إلى أن العامل الحاسم في دفع منظمة التحرير الفلسطينية لتبني خيار التسوية السياسية في العام 1993 عبر أوسلو كان بسبب الحصار العربي عقب خروج قوات الثورة من بيروت، ونتيجة لمواقف وحسابات عربية داخلية قامت على أساس طبيعة تعامل بعض الدول العربية معها عقب الغزو العراقي للكويت في العام 1990، واليوم فإن الوضع العربي القائم نفسه يقود الفلسطينيين إلى مربعات خطرة نوعياً على قضيتهم عبر استمرار هذه الحسابات العربية الداخلية نفسها أو المشابهة لها وإن تبدّلت المواقع.
   
   والسؤال الأهم اليوم ما هو الهدف الصهيوني الأساس الذي يمكن فقط للفلسطينيين أن يكونوا مسئولين عن إفشاله وإيقاف مفاعيله بأنفسهم ؟ والجواب الصريح والواضح هو تكريس الانقسام الفلسطيني وهزيمة خيار الوحدة الوطنية واستقلالية قرارها، والجواب الاستراتيجي هو بكل ثقة ويقين أن العودة الفورية لتحقيق هذا الجزء الوحيد الذي يمتلكه الفلسطينيون هو فقط الشرط الموضوعي لإفشال العدوان ومراميه الاستراتيجية من جهة، ولضمانة إبقاء مكتسبات الكينونة الوطنية الفلسطينية عند حدود ما بقي محفوظاً منها حتى الساعة ودون تآكل، والحكم التاريخي الحاسم سيكون عقب هذه المرحلة في جواب السؤال من أنقذ الوحدة الوطنية الفلسطينية؟ وليس فقط من صمد في معركة غزة المفتوحة وعدوان الصهاينة الفاشي الجديد في حلقات حروبهم ضد الشعب الفلسطيني، فهل تكون هذه المهمة التاريخية اليوم ناجزة؟ هذا ما نرجوه لأنها البوابة الوحيدة الصالحة تاليا لمواجهة بقية الخطط الاستراتيجية الصهيونية بكل أنواع الخيارات الممكنة ودونها فإنه الفشل المؤكد.
   
    أيمن اللبدي
   
   نائب رئيس تحرير صحيفة «الحقائق» والمشرف العام على «الحقائق الثقافية».
   
   ayman@alhaqaeq.net


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .