الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



شكراً بني صهيون
بقلم :    رابحة الزيرة

ليس أمتع من "مسرح العرائس" تسلية لأطفال (ما قبل المدرسة)، إذ تقوم المربّية بتقمّص شخصيات القصة من وراء ستار بعد أن تظهرها بصورة دُمى تحرّكها كيفما تشاء، والممتع في ذلك بالنسبة لهم أن الشخصيات المختارة تكون حيوانات في معظم الأوقات، وحركاتهم تتّسم بالتهريج، فيتعلّم الأطفال قيم الحياة وهم يقهقهون ضحكاً مستمتعين بالمسرحية المعروضة عليهم.
   
   طريقة ذكية ابتدعها المربّون لغرس القيم في قلوب الأطفال في جو من الفكاهة والفرح، ولكنها ستكون غبية بلا شك لو استُخدمت مع من هم أكبر سنّاً، ولو فعلوا ذلك لاستُهزأ بهم، وانقلب الضحك على الموقف إلى الضحك على اللاعب الرئيس في المسرح - وهو المربّي هنا - وربما قلبوا المسرح على رأسه لأنه يحاول أن يستخفّ بعقولهم.
   
   يعتقد الغرب وعلى رأسهم أمريكا - الدمى المُحرَّكة على مسرح الأحداث بيد الصهاينة اليوم - أنهم يستطيعون الاستمرار في عرض مسرحيّتهم التي بدأوها مع هذه الأمة حين كانت في أضعف حالاتها دون أن يعترض عليهم معترض، لجهلهم بأن من كانوا يعتبرونهم أطفال ما قبل المدرسة آنذاك – إن صح التعبير – قد بلغوا رشدهم، وإن محاولة التعامل معهم بنفس الطريقة على مدى ستين عاماً لهو دليل غرورهم وحماقتهم التي لا يُرجى لهم شفاء منها إذا لم يعترفوا بأنّ الشعوب قد تضاعف وعيها، وكشفت التواطؤ الممارس ضدّها، ولم يعد بالإمكان التكتّم على الجرائم التي تُرتكب بحق أبنائها العزّل بغطاء غربي وعربي رسمي، إذا لم يعترفوا بذلك فستُقلب الطاولة والمسرح والمعادلات والقوانين والعهود والمواثيق الدولية كلها على رؤوسهم وسيدفعون الثمن غالياً.
   
   ويلات الحروب والانتهاكات الوحشية التي كانت تُرتكب فيها اضطرّت الغرب لوضع مجموعة كبيرة من العهود والمواثيق لتنظيم العلاقات الإنسانية لمنع نشوبها – ما أمكن - أو ضبطها إذا نشبت ومن ثمّ محاولة تطبيع العلاقات بين المتحاربين بعدها، ولكن يؤخذ عليها أن المنتصرين في الحرب هم الذين صاغوها وبالتالي فقد وُضعت للمحافظة على مصالحهم لا لنصرة المظلوم، ولا لكي يعمّ العدل، بالإضافة إلى أن أكثرها غير ملزم ولا يرقى إلى مستوى القانون ليحاسَب مخالفوه، أو يقتصّ من الظالم ويعود الحق لأهله.
   
   اتفاقية جنيف والبروتوكولات الثلاثة المضافة إليها تُعتبر جوهر القانون الدولي الإنساني للحدّ من وحشية الحرب، وتتناول حماية حقوق الإنسان الأساسية في الحروب، أي حماية المدنيين الموجودين في ساحة المعركة كالأطباء والصحافيين وعمّال الإغاثة، والاعتناء بالجرحى والمرضى وأسرى الحرب؛ وتطالب باتخاذ إجراءات لمنع وقوع ما يُعرف بـ"الانتهاكات الجسدية"، أو وضع حدّ لها، كما تؤكّد على ضرورة معاقبة المسئولين عن الانتهاكات.
   
   رغم وجود هذه الاتفاقية الدولية ودقة بنودها وشموليتها إلاّ أنها لم تردع الصهاينة عن ارتكاب أبشع جرائم الحرب في غزة، بل يستطيع كل متبجح منهم أن يقف ليبررّ همجيته مستنداً إلى تلك المواثيق والعهود الدولية، وضارباً عرض الحائط كل القرارات الصادرة بهذا الشأن، آخرها قرار مجلس الأمن الهزيل لوقف إطلاق النار الفوري على غزة الذي صوّت له أربعة عشر عضوا وامتنعت أمريكا عن التصويت مع أنه غير ملزم لأنه لا يقع تحت البند السابع من قوانين مجلس الأمن (الذي ربما اختُرع أساساً ليُعفي إسرائيل من الالتزام بقرارات مجلس الأمن)، فواصلت إسرائيل قصفها لغزة مخرجة لسانها للعالم كلّه.
   
   نشكر للصهاينة أخطاءهم المتكرّرة ضد المقاومين الشرفاء، بالأمس في لبنان واليوم في غزّة، لأنهم في كلّ مرّة يفتضحون ويفضحون سدنتهم من العرب والغرب، ويسدون للمقاومة وللأمة أجلّ الخدمات، فلو صرفت المقاومة الفلسطينية كل ما تملك من أموال لإعداد حملة إعلامية تبث فيها ظلامتها وتكشف قبح عدّوها لما استطاعت أن تقوم بما قام به الصهاينة في حربهم الهوجاء ضدّها، ولو فعلنا ما فعلنا لنقنع شبابنا ببشاعة الكيان الصهيوني الغاصب وعلى أي أساس من الظلم قام لما استطعنا أن نفعل عُشر ما فعلته همجية الصهاينة في حربهم الخاسرة على مدى خمسة عشر يوماً، فقد بصّرتهم بحقيقة هذا الكيان الغاصب بالصوت والصورة.
   
   هذه الحرب رغم الدماء الزاكية التي أُريقت فيها، والمآسي التي تمخصّت عنها إلا أنها أحدثت هزّة أخلاقية عالمية ففرزت الناس على أساس إنساني شريف بعيداً عن الانتماءات المصطنعة من دين وعرق ومذهب وقطر، فوقف شرفاء العالم من أستراليا، والنرويج، وفرنسا، وإنجلترا، وأندونسيا، وفنزويلا، وأمريكا، وأفغانستان، وإيران، ونيروبي، وعلى رأسهم تركيا، وكل شعوب الدول العربية، وقفوا مع المظلوم، بعد أن ظنّنا أنهم بُرمجوا على اللامبالاة وأنهم غارقون في اللاوعي، ومن تردّدات تلك الحرب أن القائمين على جائزة نوبل قالوا أنهم يشعرون بالخزي لأنهم أعطوا شمعون بيريز جائزة نوبل للسلام لأن ما يجري اليوم في غزّة أثبت أنه إرهابي وليس رجل سلام.
   
   ويأبى الصهاينة إلا أن يستمروا في عرض مسرحيتهم الهزلية مستخفين بعقول الناس وعمّا قريب سيبكون كثيراً ويضحك الصالحون والمظلومون كثيراً ..
   
   
   
   رابحة الزيرة
   جمعية التجديد الثقافية
   rabha_zeera@hotmail.com


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .