الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



أوليس الآن ؟ فمتى ؟! ومطابخ خمس نجوم
بقلم :    وليد أبو حوسة

الزمان : يوم السبت الأخير من عام 1429 من هجرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم . من مكة المكرمة إل المدينة المنورة . وكذلك السبت الأخير من عام 2008 من ميلاد السيد المسيح عليه السلام على أرض فلسطين .
   المكان : قطاع غزة . ولمن خانته الذاكرة ، فهو يقع في الجزء الجنوبي الغربي من فلسطين على ساحل البحر الأبيض المتوسط . وتعداد سكانه يقارب المليون ونصف المليون من البشر ومساحته طولا وعرضا تقطعها السيارة ربما في أقل من ساعة ونصف .
   
   الوقائع : في السبت المؤرخ أعلاه حدثت أبشع وأخطر مجزرة بشرية في تاريخ قضيتنا على مدى ستة عقود من الزمن ، بعد أهوال أحداث النكبة عام 1948. حيث قامت طائرات الحرب الإسرائيلية إف 16 وغيرها بعشرات الغارات الجوية على القطاع . عشرات الأطنان من الصواريخ المدمرة بكافة أشكالها ألقيت على رؤوس أهلنا في القطاع . مئات الرجال والنساء والأطفال لقوا وجه ربهم الكريم بسبب القصف الجوي . مئات الجرحى .. مستشفيات القطاع لا تقوى على استيعاب أعداد المصابين . وحتى إن استوعبت ، فلا توجد أجهزة طبية وأدوية كافية لعلاجهم . نقص في الخدمات بسبب الحصار المفروض من كل الجهات منذ أكثر من عام ونصف العام . نقص في كل شئ .. إلا في روح الصمود والمقاومة لدى أبناء شعب يرى في الاستشهاد حياة
   
   مضى منذ بداية الهجوم الجوي على القطاع وحتى اليوم السبت التاسع من يناير 2009 أكثر من أربعة عشرة يوما ومازالت آلة الحرب الإسرائيلية تقصف قطاعنا المحاصر من السماء . وما زالت دباباتها تتوغل أرضا وزوارقها الحربية البحرية تقصف بحرا . تقتل وتدمر وتعيث في الأرض فسادا . مشاهد يبكي لها حتى أكثر القلوب قسوة . مناظر تقشعر لها الأبدان ويكاد العقل الإنسان لا يصدقها . هل عدنا لعصور الهمجية الأولى ؟! أليسوا بشرا أولئك البشر ؟!
   
   ورغم صدور قرار أممي فجر أمس الجمعة بالوقف الفوري للقتال ، إلا أن العرض ما يزال مستمر حتى اللحظة دون توقف . وما زالت آلة القتل الإسرائيلية تلعب دورها المعتاد في تقتيل البشر وتدمير الحجر وكل شئ يقف في طريقها المخطط له سلفا . وما زال قادة إسرائيل يهددون ويتوعدون بمواصلة المهمة الموكلة لهم للقضاء على من لا يزال يصرّ على المطالبة بحقه في الحياة الحرة الكريمة ومقاومة الظلم والقهر واحتلال أرضه .
   
   حصار محكم من جميع المعابر والمنافذ والجهات منذ عام ونصف بشكل رسمي تحت أنظار كبار العالم . (جزيرة) غزة محاطة من جميع الجهات . ليس بالماء ، ولكن بالجفاء وبالمقاطعة ومؤخرا بالانقضاض المباشر . مليون ونصف المليون من البشر بلا غذاء أو ماء أو دواء .. وبلا وقود أو كهرباء . لا توجد حتى أبسط مقومات الحياة البشرية لمن يسكنون القطاع . عام ونصف العام من حصار خانق مباشر . وستون عاما مضت على أكبر سرقة عرفها الإنسان في العصر الحديث .. سرقة وطن بأكمله تحت أنظار عالم .. حر !!
   
   نخلة عربية أصيلة لا تنكسر أمام الرياح .. ولو عاصفة . وشعب بطل لا ينكسر أمام قوة آلة عسكرية إسرائيلية ظالمة .
   
   تفهم أمريكي كامل لموقف إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد صواريخ فلسطينية !! وأين كانت تلك الصواريخ على مدى ستون عاما من الاحتلال والظلم والعدوان الإسرائيلي ضد شعبنا الفلسطيني ؟! تفهم رسمي أوروبي شبه كامل لما تقوم به آلة الحرب الإسرائيلية ضد من يطالب بحقه المشروع في الحياة الحرة الكريمة كباقي أمم الأرض !! شجب واستنكار رسمي عربي .. وغليان شعبي في الشارع العربي . ونظام دولي جديد يساوي بين الضحية والجلاد في مسلسل عنف وإرهاب منظم من قبل من سرق الأرض وطرد أصحابها من ديارهم في مشهد النكبة الأليم ثم تربع على قمة جبل من الكذب والخداع والتضليل . فكسب في غفلة من الزمن تعاطف نظام دولي جديد يدعي كباره الحرص على نشر مبادئ الديمقراطية والحرية والمساواة والعدل بين أمم الأرض . وفيتو أمريكي يرفع دوما في وجوهنا نحن العرب .
   
   عربا .. البعض صامدون والبعض صامتون .. والبعض لا يتحرك إلا بعد فوران البركان !!
   والبعض دوليا ما زال يساوى بين الضحية والجلاد !! وأسئلة أكثر من حبات المطر في شتاء لندن وأوسلو ومدريد ونيويورك . ولكن من يجيب ؟ وبأية لغة ؟
   بيانات شجب واستنكار .. ومجلس جامعة دول عربية لم ينعقد حتى اليوم . ومظاهرات شعبية غاضبة تجوب الشوارع العربية . وحناجر ترتفع : أنقذوا أهل القطاع من القتل والجوع ومن الضياع .
   
   اليوم لا بد أن ينظر كل منا في المرآة ويتفحص ملامح وجهه ليعلم هول المأساة التي يقوم بلعب دور البطولة فيها آلة القتل الإسرائيلية ضد سكان جزيرتنا المحاصرة بالجفاء وبالمقاطعة
   اليوم لا بد من وقفة مكاشفة ومصارحة حقيقية مع أنفسنا . وليسأل كل منا نفسه : ما حقيقة ما يجري الآن على أرض قطاع غزة ؟ وما هو الدور الذي يجب أن يقوم به تجاه ما يحدث ؟
   أحد منا لن يكون راضيا عما يحدث الآن في القطاع . وأحد منا لا يرغب في خداع نفسه أو يقوى على التهرّب من الإجابة .. فإلي أين ؟
   
   ماذا نقول لأبنائنا الصغار حين يسألوننا عما يجري الآن في قطاع الأهوال ؟ وما هي الكلمات التي يمكن أن نصف لهم بها ما يدور ؟ حينما تعجز الكلمات عن ترجمة الشعور الإنساني في موقف ما فاعلم أن الحدث أكبر وأخطر من أن تصفه الكلمات . لسان حال بعض كبار العالم هذه الأيام : كم يكفيكم من وقت يا بنو إسرائيل لكي تخلصّونا من كل صوت يعلو فوق صوت مصالحنا وأهدافنا في تلك المنطقة من العالم ؟
   
   حين نشاهد ما نشاهد وحين نسمع ما نسمع من أخبار مؤلمة موجعة , وحين ننظر ونفكر في أسباب ما وصل إليه حالنا نحن العرب ، فكيف نبرر لأنفسنا ما نرى وما نسمع ؟ مهما اجتهد الإنسان في وصف ما يحدث الآن في قطاع غزة من مجازر وحشية تقوم بها آلة الدمار الإسرائيلية فلن يستطيع الوصف بكلمات . الكل متسمّر أمام قنوات الفضاء على مدار الساعة يشاهد أحداث دامية لم تهدأ حتى اللحظة . البعض يفهم لعبة السياسة الدولية .. ولا يجد أمامه غير الصمت . والبعض لا يستطيع فهم ما يجري سياسيا .. فإما أن يلوذ بالصمت أو يصرخ من هول ما يراه .. إنسانيا .
   
   يوم السبت الدامي وما تلاه من أيام ، شاهدنا ما شاهدنا من مجازر ضد أبناء شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة . وسمعنا ما سمعنا من آراء محللين سياسيين وتصريحات مسئولين من أركان الدنيا الأربع . وألقيت على أسماعنا تقارير إخبارية لا تعد من قلب الحدث . أرواح بريئة تزهق . دماء طاهرة تغطي ثرى أرض جريحة . أشلاء متناثرة .. أجساد بشرية لأخوة لنا ملقاة على قارعة طريق لم يعد البعض يرى لوحاته الإرشادية وربما التحذيرية . ولم يعد البعض يرى حتى الطريق نفسه .. حسبنا الله ونعم الوكيل !!
   
   مجزرة حقيقية لأبرياء لا يريدون من الدنيا إلا الحياة الكريمة . وعلى مدى أسبوعين كاملين من بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد أهلنا في القطاع نسمع آراء بكافة الألوان والأشكال من هنا وهناك . آراء ما زالت تحمل الأمل في مستقبل عربي أفضل ووحدة فلسطينية لا بد منها هذه الأيام . وأخرى بدت وكأنها تحمل بين طياتها ألغازا ، وربما ألغاما قد تنفجر في أية لحظة . رأينا وسمعنا عبر قنوات الفضاء آراء متباينة لمحللين سياسيين ومفكرين وتصريحات لمسئولين عرب . كما سمعنا آراء وتصريحات لمسئولين سياسيين وعسكريين على الجانب الآخر .. أو الرأي الآخر .. إسرائيل .
   
   إنهم يتحدثون اللغة العربية ويعرفون قواعدها وأسرارها تماما كأهلها . نبرة أصواتهم منفرجة عالية .. نظرتهم للأمور حادة . وعدوانهم قائم حتى الآن على إحدى زوايانا العربية .
   ومساحة المثلث ليست دائما نصف القاعدة في الارتفاع يا سيد فيثاغورس !!
   وجزيرتنا الهوائية لا تكل ولا تمل من توصيلهم طلبات آرائهم لمنازلنا العربية في أي وقت ومجانا . الغريب يا أخي أنهم يتحدثون وكأنهم أصحاب حق .. ومعتدى عليهم !!
   
   حركة حماس الإرهابية هي المتسبب الأول والأخير في مأساة الشعب الفلسطيني الآن !!
   وهي وغيرها من المنظمات التخريبية من تجب مساءلتهم عما يجري الآن في قطاع غزة !! وهم أعداء الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب العربية .. وليست إسرائيل !!
   المسجد الأقصى الحقيقي موجود بين مكة والطائف وليس كما تضحكون على شعوبكم العربية هو ذلك المسجد الكائن في مدينة القدس ( لا أدري هل كان المتحدث الإسرائيلي صاحب هذا التصريح الألمعي يقصد القائمين على القناة الفضائية المعنية أم يقصد جهة أخرى ) ؟
   القدس في القلب وليست على طاولة المفاوضات !!
   
   وما لم نسمع من تصريحاتهم ربما أكثر استفزازا والتواء وأخطر معنى مما سمعنا !ّ!
   يحلّق المسئولين الإسرائيليين في أجواء سماءنا العربية المفتوحة كما يريدون ، ويتجولون في فضائنا كما يحلو لهم بلا حدود بدعوى الرأي والرأي الآخر. يصرخ الإسرائيليون في وجوهنا من خلال بعض منابرنا الإعلامية ويبرزون مخالبهم ويكشرّون عن أنيابهم من خلال بعض قنواتنا الفضائية . حتى أن بعضنا ، في ظل فضائنا المفتوح ، يعرف أسماء بعض المسئولين الإسرائيليين ربما أكثر مما يعرف من أسماء بعض المسئولين العرب .
   (مع حسن الظن بجميع قنواتنا الأرضية والفضائية . ولكنها مجرّد أسئلة حائرة تحتاج لإجابات واضحة من القائمين على مؤسساتنا الإعلامية العربية)
   
   إنها لعبة السياسة والإعلام يا أخي .. لعبة المصالح والألغاز !!
   لعبة عالمية يجيد أبطالها اللعب على أوتار الحدث .. والرقص على أنغام الشيطان .
   أيا كان الحدث .. وأيا كان الشيطان !!
   
   خرج بعض عربات قطار القضية عن قضبانها الحديدية وفضّلت السير على قضبان حريرية .
   وذهب بعض طاقم السرب في رحلة بحث عن حقول سراب لا تنتهي .
   وغاب البعض عن وعي اللحظة بين أحلام نوم وأحلام يقظة .
   وغاب البعض في رحلة بحث عن استجمام وهدوء بعيدا عن صخب وضوضاء الأحداث .
   
   أشفق على عقول صغارنا الذين قصّر بعضنا في إفهامهم حقيقة القضية . وألوم بعض من لم يقنعونا أو يسجل التاريخ أنهم يتعاملون مع أحداث القضية بالجدية المطلوبة . وأترحّم على كل نفس أزهقت غدرا على الأرض العربية منذ عشرات السنين وحتى الآن . وأشفق على أبناء شعبي وأمتي مما ينتظر الجميع في ظل نظام دولي لا يرى الحق إلا في القوة ولو ظالمة !!
   فلماذا لا نحرص (عربا وفلسطينيون) على أن نكون أكثر قوة مما نحن عليه الآن حتى نسترد كامل حقوقنا المشروعة ؟!
   أي ظلم في حق الإنسانية ؟ وأي قهر ؟ وأي عصر نعيش ؟ إن تكن غابة .. فلسنا وحوش . ولسنا ممن يظلمون ويقهرون الآخرين . لسنا إلا طلاب حق مشروع في الحياة الحرة الكريمة كباقي أمم الأرض .
   
   الكل أدلى بدلاه في بئر القضية .. كل حسب ما يرى . البعض استطاع حل شفرتها وفك رموزها والبعض فشل في قراءة ما بين سطور أحداثها . ولكن هل يمكننا اعتبار أنها ربما قتلت مع سبق الإصرار والترصد ؟ أم أنها في حالة احتضار وموت سريري ؟ أم تراها ما زالت طفلة رضيعة ما زالت في مرحلة الحبو ، وما زال أمامها وقت حتى تتعلم المشي ومن ثم تكبر وتكبر حتى تنضج وتصبح عروسا جميلة يتجرأ أحد أحفادنا البواسل ويخطبها من أباها القمر وأمها الأرض ؟ وهل سيقوى ونقوى معه على مهرها الغالي ؟
   علينا أن نعرف ماذا نريد ؟ وماذا نحن فاعلون لتحقيق ما نريد ؟! ومتى يتوحد هدفنا وتتآلف قلوبنا وتتفق عقولنا ؟ ألم يحن الوقت بعد ؟ أوليس الآن ؟ فمتى ؟!
   
   
   
   
   مطابخ خمس نجوم
   
   المراقب لما يجري على ساحة مطابخ أحداثنا الشرق أوسطية يجب أن يكون ، فيما يكون ، ذو حاسة شم قوية حتى يستطيع أن يفرّق بين رائحة الكوسة ورائحة القرع . ولا بد أن يمتلك بالإضافة لحاسة الشم حاسة تذوق نشطة وحدة إبصار لا بأس بها حتى يستطيع أن يفرّق بين الطبخة التي استوت وغيرها التي لم تزل نيئة . وكذلك بين الطبخة الطازجة ، التي ما زال البخار يتصاعد منها ليحمل للأنوف التي ما زالت قادرة على القيام بدورها في عملية الشم ، رائحة تخبر عصارة المعدة على الاستيقاظ . وتحفز الإنسان على التهام ما يمكن التهامه من أطباق إخبارية طازجة وصواني تحليلية توضع على طاولة طعام وكالات الأنباء التي لا تهدأ والقنوات الفضائية التي لا ينقطع إرسالها على مدار الساعة . بدءا من صحن سلطة أخبار الفن والنجوم خفيفة الظل وحتى حفلة عرس أكبر فيل في غابة الأمازون .
   
   ولكل طبخة سياسية مقادير معينة من تمار أحداث ما زالت خضراء لم تذبل بعد . وبعض حبوب البقول الجافة ، التي يعاد إحياؤها بنقعها في ماء بارد أو ساخن ، تبعا لنوع الطبخة ، وأرز ولحوم أغنام أو غزلان ، حتى تصبح الوجبة دسمة وتشبع حوت المحيط . كما ترضي أذواق عدد لا بأس به من المحيطين به من أسماك قرش وتعابين ماء متأهبة لابتلاع أكبر عدد ممكن من صغار الأسماك والطحالب . كما نجد أن كبار الطهاة يحرصون أحيانا على صيد أرانب برية شاردة عن مناطقها الأصلية في صحراوات العالم الثالث حتى تصبح الطبخة في أحسن حال وأشهى مذاق .
   
   ويجب أن يتم إعداد تلك الوجبات بعناية حتى تخرج إلى طاولة الطعام الدولية شهية ومقبولة الطعم والرائحة . وبالتالي تعرف طريقها جيدا للأنوف التي تشم والألسن التي تتذوق والعيون التي في رؤوس من يجلسون على طاولة الطعام ينتظرون وصول الأطباق بلهفة . والتي يحبذ أن تكون سهلة الهضم على المعدة ودون دوخة أو انتفاخ في القولون أو إسهال فكري حاد قد يفضي أحيانا إلى الحبل إياه . أو قد تكون النتيجة النهائية إمساك عن قول الحق
   
   وعلم الطبخ السياسي في عالمنا المعاصر علم قديم قدم الإنسان نفسه على سطح الأرض وله فروع عديدة . وإن أردنا التبحر في أنواع الطبخات التي نراها على ساحات السياسة الدولية سنجد أنها تتمثل في طبخات ، وإن كانت غنية بالدهون والكولسترول ، إلا أنها في الغالب تبدو سهلة الهضم على معدة البعض ، ومريحة للأمعاء الغليظة والدقيقة وربما القولون غير العصبي للبعض الآخر ، خاصة حين تتكون من خضراوات وفواكه شرق أوسطية ، وأرز من أقصى شرق الكرة ولحوم غزلان برية شاردة أو ربما أسماك نهرية يتم صيدها أثناء محاولتها الهرب بذيلها وزعانفها وخياشيمها إلى أحد بحار الشمال الباردة . وذلك بتهمة التنفس زيادة عن اللزوم في مياه الأنهار العذبة .. حيث تكثر فقاعاتها على السطح .. فتتوتر أعصاب حوت المحيط ، ودلافينه المسلية والمريحة للنظر .. وثعابينه غير المريحة .
   
   وقد تحتوي تلك الطبخات على طيور أثرت الطيران خارج سربها المهاجر إلى مناطق سراب غامضة مجهولة المعالم وتجرأت على التغريد بصوت مرتفع لم بعجب نسور بعض الأجواء ومن يدور في فلكهم من صقور وغربان . فتكون النتيجة إما حبسا انفراديا في أحد الأعشاش المظلمة على أحد أغصان أبعد شجرة في المنطقة . أو الحبس داخل إحدى الشعاب المرجانية التي تمتلئ بها الأعماق .. بالنسبة للأسماك التي تصرّ على التنفس بعمق وتطلق فقاعات أكثر من المسموح به على سطح الماء .
   تلك الطبخات وغيرها تعد داخل أروقة مطابخ عالمية على أبواب بعضها لوحات بحجم السماء وأخرى مغتمة أرخيت على نوافذها ستائر سميكة بألوان قاتمة ، درءا للشبهة والعيون التي قد تتجرأ وتحاول التلصص على من وما بداخلها .
   
   ومن الطبيعي أن يكون لكل طبخة سياسية يجري تجهيزها في أحد مطابخ الخمس نجوم إياها طريقة إعداد معينة ومقادير محددة ووقت مناسب لتقديمها في المطاعم الفضائية التي تملأ سطح الكرة الأرضية . فالوجبة التي تقدم على الإفطار من جبنة دانمركية بيضاء أو هولندية صفراء مع مربى البطيخ والسفرجل أو بيض النعام الأسترالي المقلي بزيت زيتون فلسطيني ، غير التي تقدم في وجبة الغداء . والتي تحتوي غالبا على لحوم غزلان أو أغنام مشوية على الفحم الاستوائي .
   
   كما أن أطباق المأكولات التي تقدم في وجبتي الغذاء والعشاء تختلف من مكان لآخر .
   فالطبخة التي يتذوقها ويقبل عليها أهل شرق الكرة في روسيا والصين ، قد لا تلقى قبولا أو استحسانا لدى زبائن غرب الكرة في أوروبا وأمريكا . والطبخة التي يطيب طعمها لزبائن مطاعم نيويورك ولندن وكوبنهاجن قد لا تلقى قبولا لدى من يفضلون الوجبات الساخنة ، ذات البهارات الحارة ، التي تقدم عادة في مطاعم شرقنا الأرضية والفضائية .
   
   ولكل طبخة سياسية طريقة إعداد ومقادير محددة ومطعم متخصص لتقديمها: فحينما يراد خلق مشكلة أو إشعال نار أزمة في منطقة أو بلد ما بغرض التدخل السريع والانقضاض عليه بليل سنجد الشيف الكبير يطلب من أحد طباخيه الإكثار من البهارات الحارة مع رشة جريئة من الملح والفلفل أثناء إعداد وطهي الطبخة . ربما إحداث جروح في منطقة الحنجرة حتى تشيط وتلتهب فتتوقف عن الصراخ . وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى الشعب الهوائية بمنطقة الرئتين حتى لا تحاول التنفس أكثر مما يحتمل بعض كبار العالم
   
   وحينما يراد تهدئة موقف معين لغرض ما ، فينصح أخصائي التغذية الدولي المختص بتناول اللبن الزبادي والسلطة الخضراء مع قليل من منقوع النعناع . أو بدش ماء بارد أو فاتر في بعض الحالات غير المزمنة . ولا مانع من كوب أو كوبين من شراب الكركديه المثلج أو من عصر الليمون لتهدئة الأعصاب وخفض ضغط الدم . كما يمكن رش بعض السكر للتحلية أو بعض الفانيليا لتحسين النكهة والرائحة .. أو ربما للتضليل والخداع .
   
   وعندما يغلق أحد تلك المطابخ أبوابه لإجازة سنوية مثلا أو لأجراء بعض الفحوصات عند أحد خبراء الطبخ السياسي العالميين ، أو لإجراء تغيير في الديكور والكراسي والطاولات بواسطة إحدى الوكالات المتخصصة ، فينصح خبير التغذية الإقليمي بالنوم الخفيف دون تناول عشاء لفترة من الوقت . أو بعمل حمية قاسية يربط خلالها الإنسان الحزام حول بطنه ولا يأكل شيئا إلى أن يصبح كالريشة التي تترنح في مهب أقل رياح موسمية أو عاصفة رملية قادمة من هنا أو من هناك . وهذا ما يريده بعض كبار الطهاة العالميين لزبائن مطاعم فضائية يديرها مدراء ومقدمي وجبات إقليميون تابعون لهم . وتكون النتيجة الحتمية إذ ذاك شيوع حالة جوع فكري دائم أو اضمحلال ثقافي متقطع قد تتبعه حالة نقص في عدم الإدراك وربما غياب وعي جزئي أو كلي في بعض الحالات المستعصية .
   
   ومطابخ السياسة العالمية تختلف من حيث الحجم والخبرة وما تستطيع أن تعده من وجبات . وهي تتوزع في أنحاء الدنيا الأربع . قد تختلف في ديكوراتها من منطقة لأخرى ، وما تحويه من أجهزة طبخ قديمة وحديثة كغلايات الماء لمن لا يسمع الكلام وقدور ضغط للتدخل السريع وأجهزة مساعدة كمفارم لحوم تتسع لأكبر فيل في إحدى غابات إفريقيا الوسطي أو الاستوائية وخلاطات عصر وتقطيع وطواحين طحن . بالإضافة لأواني قلي .. لا تلتصق بها الدهون . وقدور سلق على البخار .. وأسياخ حديدية تلائم كل أنواع وأحجام اللحوم التي يراد شواؤها في الأفران الكهربائية أو الغازية أو على الفحم .. حسبنا الله ونعم الوكيل !!
   
   وإن كان ذلك كذلك ، فلماذا لا يكون الحاصل في النهاية طبخة على أعلى المواصفات العالمية ووجبة شهية المذاق بالنسبة للزبائن ، وبأعلى فائدة مادية لأصحاب المطابخ والمطاعم العالمية التي تفتح أبوابها على مدار الساعة دون كلل أو ملل ؟!
   
   ولعل أكبر المطابخ وأكثرها شهرة على مستوى العالم اليوم هو مطبخ الأمم للمأكولات الدولية الذي يقدم كل أنوع الطبخات . فبلديه طباخون ماهرون يعرفون مقادير وطريقة إعداد كل طبخة . كما يعرف القائمون عليه في أي المطاعم وفي أي الأوقات يجب أن نقدم كل وجبة حتى تتحقق الأرباح المرجوة وتعم الفائدة كبار الشركاء وصغار المساهمين .
   
   والمطعم الذي يقدم وجبات متخصصة عنوانه معروف . وستجد أصحابه وطباخوه والعاملين به أشهر من النار على العلم . كما ستجد أن جهازه الإداري والفني على أهبة الاستعداد لتلبية الطلبات في أي وقت وأي مكان من العالم . وستجدهم يقدمون لك قائمة الطعام على ورق لامع ملون . وستجد أطباقا شهية متنوعة على طاولة طعام عامرة بما لذ وطاب . ولكنها قد تسبب للبعض فيما بعد حالة إسهال فكري ، قد تؤدي ببغضهم في النهاية إلى إحدى مستشفيات الأمراض العقلية ذات السبعة نجوم .
   
   مطابخ السياسة الدولية كثيرة . ولديها طباخون ماهرون اكتسبوا خبرة طويلة عبر الزمن في إعداد الوجبات حسب الطلب .. والطبخات ترضي كافة الأذواق . كما أن المطاعم الفضائية التي تقدم الوجبات السياسية لا تعد ولا تحصى .
   
   موردو لحوم غزلان وأغنام .. وتجار متخصصون في البيع والشراء . وزبائن جالسون على طاولات الطعام ينتظرون بلهفة وصول الأطباق الشهية . مطاعم معدة وجاهزة لتقديم الطلبات وتوصيلها مجانا لكل منازل الدنيا على مدار الساعة . وكراس دوارة كاملة العدد حتى صدور جدول الحصص الدولي الجديد . وفوضي خلاقة بين الأمم .. حتى الشبع .
   
   وعلى لوحة الإعلانات الرئيسية في جميع وسائل الإعلام الكروية إعلان مكتوب بكل اللغات يقول : مطلوب طباخون محترفون لديهم خبرة سابقة في طبخ كافة أنواع اللحوم . يفضل من يحمل دبلوم معترف به دوليا وموقع من اثنين من كبار طباخي العالم الحر ولديه خبرة طويلة في ذبح الغزلان وسلخ الأغنام وطهي الأرز على نار هادئة . كما نطلب وجوه ناعمة الملمس هادئة الملامح لتقديم الوجبات في سلسلة مطاعمنا الشهيرة المنتشرة في جميع أنحاء العالم . لتقديم طلبات التوظيف يرجى الاتصال بصاحب المطبخ الكبير .. أو بأحد مديري المطاعم الإقليميون . أو بالاتصال مباشرة بمسئولة الحفلات الخارجية .
   
   تنويه : السماسرة والعملاء وتجار الماشية يمتنعون عن تقديم طلبات التوظيف نهارا .. حتى إشعار آخر .. كي لا تشيط الطبخة أو يعرف بعض زبائن المطاعم الفضائية سر الخلطة !!
   
   
   
   
   
   وليد أبو حوسة
   كاتب فلسطيني ـ الرياض
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .