الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



نسيمُ الكرامة من كربلاء إلى غزّة..
بقلم :    جلال القصّاب

(إسرائيل دولة فاشية، بلطجية ومستقوية وقاسية وإمبريالية وسطحية، فاقدة لأصالة الروح، ومنطوية على ذاتها، إنها غير ديموقراطية..) ليس قائل هذه العبارة مناضلٌ فلسطيني وزعيمٌ عربي يسرّ الخاطر، بل رئيس الكنيست الأسبق أبراهام بورغ، ابن أحد مؤسسي الكيان المجرم الغاصب!
   متى كان فسادٌ وظلمٌ واستعباد، يُتيح الله للناس روّاداً ذوي ضمائر تتوهّج بمقت الظلم، ومستنيرةٍ بأحلام الإصلاح والتحرير، شغوفةٍ بحبّ التضحية، ليقينها الأبديّ بالفلاح وأنّه بحسب قول الحسين: "لن تشذّ عن‌ رسول‌ الله لُحمتُه‌، وهي‌ مجموعة‌ٌ له‌ في‌ حظيرة‌ القدس‌، تقرّ بها عينُه‌، ويُنجز بهم‌ وعدُه"، كوكبةٌ تُطلق في مجاميع الناس صرختَها بالإباء لتُعيد إنتاج الإصلاح في واقعهم وتُنهي عصر النوم والظلام، آنئذٍ يُصبح الناس مستقطبين للإعانة على أحدِ أمريْن؛ إبلاج الفجر أو تمديد الظلام، "مَعكمْ معكم" أم "مع عدوّكم".
   مقاومة لبنان الباسلة بالأمس القريب، ومقاومة فلسطين الصامدة اليوم، هم روّاد صرخة الحاضر، والقوى العربية الشعبيّة المكبّلة، والزعامات الرسميّة العربية التي ينضحُ بعضها بالخور ووجع القلب وروائح التآمر، كلّها على المحكّ، لأنّها تُحدّد بمواقفها مصيرها هي لا مصائر أبطال غزّة وغيرهم، فالمناضلون الحقيقيّون ما داموا جادّين مبدئيّين فلن تركّعهم جزرةٌ وعصا، الحسين علّمنا هذا بقوله "والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل (جزرة)، ولا أقرّ إقرار العبيد (عصا)".
   ودواعي التخاذل والاستسلام تغرض دائماً إخراسَ صوتهم الرافض، حيث يتآمر القاعدون على "الرواد" لتصفية أصواتهم (لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ)، هكذا دائماً، بذلك حلمتْ إسرائيل وأذيالُها المتآمرون المتأمركون عندما دكّتْ بيوت حزب الله لاسئصال شأفته وتأليب طلاّب الراحة والخنوع عليه، والآن بالتخطيط لتصفية حماس واجتياح أزقّتها، علّها تزيل بعملية جراحية قيصريّة بقايا الضمير في أمّة مطلوبٍ استسلامُها للمشروع الصهيوأمريكي، وهيهات، بل ستعود الدائرة على المجرمين، وسيغدو "الروّاد" أشدّ ثباتاً في الأرض والقلوب، وستبلغ صرخاتُهم -المضمّخة بأضاحي دماء نحورهم- مَدَياتٍ أوسع في المكان والزمان.
   موسم عاشوراء الحسين (صنو موسم الحج الذي سبقه)، ربّما يتّخذه البعضُ تجارةً وتكسّباً، وآخرون للمتعة، للشهرة، للشهوة، أو لمجرّد العادة، لكنّه فرصةٌ لحيازة قيمة "التضحية"، بترقية الروح وتنقيتها من صدأ اللاانتماء للمطلق، وترويض النفس لتسترخص "الفداء"، فتبقى تترقّب بشوقٍ ساعاته مع كلّ نداء.
   ليس موسم عاشوراء لتسويق الجهل والخرافة، والتنويم الجماعي، وتفريغ العواطف بالمسكّنات الطقسيّة، ولا لتأكيد انتماءاتنا الطائفية المديمة تفتيتنا، إنّه تنويرٌ يستلهم أهداف الحسين ومبادئه لإشهارها لواءً عالمياً تواصليّاً مع كلّ الأحرار، يدعم بالنبل والتضحية قضايا الحقّ والاستضعاف.
   إنّ أهمّ مخرجات ملحمة كربلاء كانت تجلّيات "الغدر" و"الوفاء"، الوفاء أنتج حبّ "التضحية" وتلاحم الأخوّة والبطولات الإعجازية، والغدر أنتجه حبُّ الأنا وأفضى بأكثر الأقوال والأفعال خسّةً وجرماً وانحطاطا.
   لقد علّل ريحانةُ النبيّ(ص) -في خطبته بأهل الكوفة- سببَ استحكام موجة التخاذل وتعصّيهم عن تلبية الاستغاثة، ونحن نستحضرها لتماسّها مع واقعنا العربيّ: (وكلّكم.. غيرُ مستمعٍ قولي، فقد مُلئتْ بطونُكم من الحرام، وطُبع على قلوبكم).. فحين ينقلب وعي الأمّة بعلميّات التضليل الطاغوتي السياسي والديني، وتسود النفعيّةُ الشخصيّة فتطبع على ضمير أفرادها، تمجّ الأمّة منبّهات الوعي فيها، تدوس مصلحيها، تكفّر مفكّريها، تقتل مُحرّكيها، لأنّهم يُقلقون سباتها ويُحرجون تقلّبها في "الحرام"، حينئذٍ يعوزها هزّةٌ عنيفةٌ لإيقاظها على فداحة اختيارها، وتُصبح تضحيةُ صفوةِ الروّاد على مذبح التحرير واجباً توعويّاً لاستنقاذ الناس ألاّ تُضيّع مصائرَها دفاعاً عن مُستعبِديها (سللتُم علينا سيفاً في إيمانكم، وحششتُم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم، بغير عَدلٍ أفشوه فيكم، ولا أملٍ أصبح لكم فيهم، إلاَّ الحرام من الدنيا أنالوكم، وخسيسَ عيش طمعتم فيه... أجلْ والله، الخُذْلُ فيكم معروفٌ، وشجَتْ عليه عروقُكم، وتوارثته أصولُكم وفروعُكم)، طبّقْ هذا على اصطفاف بعض الزعامات والنُّخب العربية مع العدوّ ضدّ انتمائهم وإنسانيّتهم، سترى كربلاء وغدرها حاضريْن بقوّة!
   إنّ عنوان "الخذل" و"الغدر"، يتّخذ أنماطاً كثيرة؛ كأنْ يُقدّم أحدُهم مجهوداً زهيداً كفرسِه وأشباهِه من مظاهر بدل نفسه، ويُصبح آخرون وقلوبُهم ولطمُ صدورِهم وصيحاتُ حناجرِهم مع الروّاد لكنّ سيوفَهم عليهم، ويتحيّد آخرون متفرّجين خوفاً من سطوات سلاطين الجور السياسية والمجتمعيّة وحفظاً لمصالحهم الشخصيّة، كلّها مظاهر فاقدة الروح، عديمة الشرف، تعبّر عن تحكّم روح الأنانية بدل "التضحية"، وطالما دفعتْ الثمن تالياً غالياً من سوء مصيرها.
   إنّ محاصرة فئة قليلة صامدة باسم شرعيةٍ منتفخةٍ زائفة؛ دولية، سياسية، دينية، كما فُعل بالحسين وأنصاره، ويُفعل بغزّة ومقاومتها، أبداً ما كان ليمحو من الوجود ذكرَ تلكم الريادات الشامخة، بل هو أكبر سبب انتصارها وانتقاشها في ذاكرة الأمّة كقلادة على جيد أمجادها، وسيعود على المتخاذلين والمتآمرين بالخزي والاستحمار الدائم، هكذا قال الحسين: "فَقُلْ للشامتين بِنَا أَفيقوا .. سَيَلقى الشامتون كَمَا لَقِينا"، و"والله لا تلبثون بعدها إلاَّ كريثما يُركب الفرس، حتى تدورَ بكم الرحى"!
   الحسين "أحبّ الناس" لأنّه يختزن قلباً رحمانيّاً، فقام ضدّ من (يعمل في "عباد الله" بالجور والعدوان) ويستأثر بفيئهم، تأثّر حتى للخاذلين والغادرين وتمنّى صلاحهم وبكى على تضييعهم أنفسهم. والمُوفون يُنطّقهم الحبُّ لرائدهم "والله لا تُقتل حتى نُقتل دونك"، فمبدؤهم المحبّة والإيقانُ بأنّ المصلحين كالحسين هم سفنُ نجاةٍ لغرقى النوم.
   
   على زعاماتنا؛ ساسة ورجال دين، أن يتعلّموا "المحبة" أوّلا، محبة كلّ الناس قبل كلّ شيء، لأنهم متى مارسوا الحبّ الحقيقي للناس سيعرفون معنى "التضحية" وشرف الخدمة، أيْ معنى تحمّل مسئوليّاتهم للقيام بواجبهم الحقيقي بدل الزائف والمنمّق، فيراعوا مصالح الناس وحقوقهم بدل أن يجعلوا منهم مرايا لذواتهم، تعكس صورهم، وتردّد مقولتهم، تغفو لشخيرهم، وتتشنّج بتشنّجاتهم، وأدواتٍ تابعةً لتغذية أنانيّتهم.
   أليس معيبًا ألا تجد صرخةُ الحسين في العرب الخائرين "فكونوا أحرارًا في دنياكم" صدًى؟ لقد كان النبي(ص) يردّد دائماً "اللهمّ إنّي أعوذ بك من العجز والكسل والجُبن" لأنّها مضادّات الحيوية وصناعة الفعل، فلذلك لم يعرف النبي ولا الأبطال المقتدون بهداه عجزاً وكسلاً وجبناً، فالخارجون مع الحسين خرجوا أوّلاً ضدّ جمود واقعهم وضدّ استلاب إرادتهم ومصادرة قراراتهم –هذا الذي تفتقده زعاماتنا فلذا لا يستطيعون اتّخاذ قرار جريء لنصرة غزّة إلاّ مزيد العجز والجبن- انتزعوا أنفسهم نزعاً من خدَر الجموع فكانوا "أحراراً" يستطيعون التخلّي عن أيّ شيء من دنياهم، ويستطيعون التحكّم في ذواتهم، فلذلك لا يصدر منهم "غدرٌ وخذلانٌ وعجز وجُبنٌ"، ولذلك قاموا وتقاطروا عليه "مثنى وفُرادى"، كشأن الأبطال على مرّ الزمان من كربلاء إلى غزّة.
   
   
   جلال القصّاب
   جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية
   jalal.alqassab@gmail.com


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .