الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



نحن مدينون بالكثير لهؤلاء الحمقى!
بقلم :    صائب خليل

من التهم الشائعة لحماس وسكان غزة واحياناً الفلسطينين عموماً، تهمة "الحماقة" وعدم حساب الأمور بشكل دقيق صحيح ودخول الحرب دون " التوازن العسكري" و "التوازن السياسي" كما يعبر عنها الدكتور كاظم حبيب. وقد اجابه الأستاذ " سلامة كيلة" قائلاً: " أن أي صراع يبدأ من موازين قوى مختلة، ويكون الهدف هو تغيير موازين القوى هذه، وليس الانطلاق منها في طرح الحلول. "
   والحق ان طرح حجة "موازين القوى" و لوم الضحية على حماقتها وتوجيه التوبيخ لها، بادعاء الحرص عليها، صدقاً أو كطريقة لإعفاء المذنبين، هي ربما تكون آخر وأفضل الإساليب التي تسعد إسرائيل ومن يتمنى النصر لها من العرب، لسماعها، سواء كان القائل مخلصاً في حرصه على الأرواح العربية أم لم يكن.
   
   
   الأمثلة كثيرة مؤخراً وكثرما تكون مشفوعة بالسخرية والتشفي من الضحية "الحمقاء" مصحوبة عادة بمغالطات تصل الى الكذب الصريح الوقح فيما يتعلق بإصرار الفلسطينيين أو حماس على استعادة كامل فلسطين وعدم تقديم أي تنازل، فقصة فلسطين كلها عبارة عن مسلسلة من التنازلات التي لم تجد نفعاً حتى الآن، وحتى عرض هدنة حماس بعشرة سنين إنما هو طريقة للتسوية واضحة لمن يريد أن يراها. وطبعاً يتجاهل جميع هؤلاء الحقيقة الشديدة المرارة بالنسبة لهم وهي أن حكومة حماس هي الحكومة الشرعية المنتخبة وبأغلبية ساحقة، بل لا يستحي الكثير منهم من وصف الأمر باختطاف حماس للحكم و"إنقلابها العسكري" دون التساؤل عن سبب اضطرار لجوء حكومة منتخبة في أنظف إنتخابات عرفتها المنطقة، إلى "ألإنقلاب". كذلك يصر البعض على أن حماس هي من بدأ واختار المعركة متجاهلاً تماماً ودون أن يشير إطلاقاً إلى الحصار الذي استمر منذ انتخابها والذي وصل حد الخنق!
   
   لكن الغالبية من الكتاب لا يلجأون إلى مثل هذه المسخرة المفضوحة في المناقشة إنما يلجأون إلى حجة أفضل وأذكى بحسن نية أو بدونها، هي التركيز على مسألة "حماقة" الدخول في صراع مختل التوازن، لصالح الخصم او العدو والتسبب بخسائر كبيرة تماماً مثلما كان النقد الذي وجه إلى حزب الله. هذه النقطة هي ما يهمني في هذه المقالة. لنقرأ بعض التعليقات أولاً:
   
   
   سعيد علم الدين (1) "ها هي حماس اليوم تحصد ما زرعته".
   
   
   ابراهيم علاء الدين: (2) "بذات الخطاب وبنفس النبرة الحماسية والمشهد التمثيلي المستعار من شيخهم نصر الله ، وبنفس نبرة التعالي والعجرفة والعنجهية التي دفعت سكان قطاع غزة إلى هذه المذبحة الهمجية البربرية التي يشنها العدو، يريد اسامة بن حمدان وحركته حماس دفعكم إلى مجزرة ومذبحة إنسانية جديدة سوف تؤدي بكم إما إلى الجوع والسجون والاضطهاد في بلادكم أو مهاجرين تتقطع بكم السبل على حدود بلاد العرب والمسلمين".
   
   
   سامر عنكاوي (3) "يجب أن يدخل علم الرياضيات في عمل اي مقاومة إنسانية, يجب ترشيد عملية المقاومة, يكفي مجازفات رعناء وتبرع بدماء الآخرين."
   
   
   شاكر النابلسي (4) "إن العرب يعلمون، والقادة الفلسطينيين يعلمون، وقادة الفصائل الأصولية الدينية والقومية الفلسطينية المسلحة يعلمون، والرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ومجلس الأمن والأمم المتحدة واليمين واليسار الإسرائيلي يعلم كذلك، أن عودة هذه الملايين (ستة ملايين الآن في الشتات) إلى إسرائيل والضفة الغربية وغزة، هو من سابع المستحيلات، لأن ذلك يعني القضاء على دولة إسرائيل، وإرباك السلطة الفلسطينية على عشرات السنوات، وانتشار العنف في عموم فلسطين"
   
   
   صلاح الدين محسن: (5)"كان عبد الناصر قد أضاع سيناء عام 1956 وانهزم وامر جيشه بالانسحاب من سيناء جريا قبل أن يدمر بالكامل ! وكانت الهزيمة نتيجة مؤكدة لاقدامه علي محاربة 3 دول أقوي من قدرات بلده ! بسبب تاميم قناة كانت ستعود بعد سنوات قليلة ..ثم انهزم وأضاع سناء كلها عام 1967 . مع تدمير مدن القناة .. ولكن الشعوب العاشقة لأية عنترية . الشعوب المحبة لاختلاق بطولات اختلاقا لتصفق لها وتهتف وتغرقها تمجيدا ....حزب الله حرر جنوب لبنان وانتصر علي الاسرئيليين وطردهم شر طردة !! وهذه اكذوبة . ولكن الشعوب المصابة بالعروبة تعشق مثل تلك الاكذوبة .. وتحولها الي ما يشبه الملاحم الحقيقية لا الأكاذيب ..!
   
   ولا يهم عند " حزب الله " ولا عند غالبية الشعوب المتعوربة المتعنترة بعنترة العروبة ان يخرب لبنان ويقتل الكثيرين من اللبنانيين . بل المهم هو المقاومة واذلال العدو الغاشم .. هكذا يكون قد تحقق لهم ما يعشقونه : صمود وتصدي ..! وهذا هو المطلوب عندهم ..!فان سألتهم : كيف تلك الحسابات تحسبونها ؟!
   اجابوك : هل تدعونا للاستسلام ؟! هل تريدنا أن نفرط في العزة والوزة ؟!."
   
   
   ليس غريباً على من لم يحس بـ "العزة" أن يهزأ بها...ولا يمكن لمن شعر بها أن يهزأ بها..
   
   
   كاظم حبيب (6) : "رى قوى الإسلام السياسي المتطرفة ...... بأن لا تسوية ولا سلام مع إسرائيل , بل لا بد من استمرار الصراع والنزاع إلى حين تحرير فلسطين كلها وشطب دولة إسرائيل من خارطة الشرق الأوسط.....إن شعار أما كل فلسطين عربية أو الموت , سوف لن يقود إلا إلى المزيد من الموت.
   
   "هذه المنظمة الإسلامية السياسية المتطرفة , التي تسيطر بالقوة على قطاع غزة بعد انقلابها العسكري في العام المنصرم".
   
   "والمسحوق في النزاعات العسكرية هو شعب غزة ومن تطاله صواريخ حماس وجها من المدنيين في إسرائيل. ولكن القوى المتطرفة , ومنها حماس وحزب الله يتهمون مصر بالتوطؤ مع محمود عباس وإسرائيل و ويحاول حزب الله إثارة الفوضى وإشاعة الموت في مصر."
   
   
   عبدالخالق حسين (7) : "إن حماس هي التي قادت الشعب الفلسطيني في غزة إلى حرب غير متكافئة مع قوة عسكرية عظمى في المنطقة. فقوة إسرائيل العسكرية والاقتصادية والثقافية ليست أقوى من حماس بآلاف المرات فحسب، بل هي أقوى من جميع الدول العربية مجتمعة وفي كل المجالات. لذلك أعتقد، وكما قال الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس، أن منظمة حماس هي المسؤولة عن زج الشعب الفلسطيني في حرب غير متكافئة.
   
   لقد تم اختطاف أهل غزة من قبل منظمة حماس، ولا حول لهم ولا قوة. ففي مقابلة مع عدد من سكان غزة قال مراسل راديو بي بي سي البارحة أنه عندما سأل الناس أمام الكاميرات التلفزيونية فيما إذا كانوا يؤيدون حماس فإنهم يلتزمون الصمت، ولكن بعيداً عن الكاميرات يعربون عن سخطهم على حماس ويتمنون التخلص منها.
   
   
   كفاح محمود (8) : "أقحموا شعب غزة وشرطتها في اتون حرب غير متكافئة ستنتهي الى كارثة انسانية يدفع فاتورتها هذا الشعب الغلبان."
   
   
   لم يشر أي من هؤلاء إلى ان حماس دخلت المعركة محاصرة ولم تبدأها، وأن إسرائيل لم تنفذ شروط الهدنة من رفع الحصار عن غزة، ولن يخبرك أي منهم أن إطلاق حماس للصواريخ لم يبدأ رغم ذلك إلا بعد 4 تشرين الأول حين قامت إسرائيل بحملة إغتيالات(9)، ولم يذكر معظمهم أي شيء عن حقيقة أن سكان غزة الذين انتخبوا حماس بكل إرادتهم، قرروا رفض الظلم المسلط عليهم وتحمل ثمن ذلك الرفض، وهم على وعي تام بما هم مقدمين عليه من خسائر، فمن يجرؤ من المتحذلقين هنا أن يقول أنه مد يده أقرب إلى النار منهم؟ لا ندري لماذا شعب غزة "غلبان" "يقحمه" قادته في الكوارث، والشعب الكردي "بطل" "يقوده" قادته إلى المجد، وكلاهما كان يخوض حرباً غير متكافئة، ضد من يعتبره مغتصب ارضه ومعتد عليه؟
   
   
   الجميع بلا استثناء يود ان يعطي صورة أن حماس وسكان غزة عبارة عن "حمقى" وأن الحل السلمي متوفر لديهم, وأنهم باعتبارهم الطرف الأضعف في المعادلة بكثير فيفترض بهم إن كانوا عقلاء أن يقبلوا بأي شيء.
   
   وبما أنهم حمقى فلا يجب تشجيعهم على حماقتهم بل لومهم عليها وبصراحة، حتى إن كان ذلك يعني في هذه اللحظة زيادة فرصة إسرائيل لإغتيالهم والإستمرار في ذبح أطفالهم، واعطائها الوقت اللازم لذلك بتخفيف ضغط النقد عليها، وبذلك يشتركون في الجريمة وهم يبتسمون ويسخرون من هؤلاء الحمقى الذين لا يستحقون الحياة لأنهم لم يفهموها وليست لديهم موهبة البراغماتية التي لدى هؤلاء الكتاب!
   
   
   الملفت للنظر أن مسألة العدالة والظلم ليست ذات حساب في براغماتية هؤلاء، وأن العالم بالنسبة لديهم يجب أن يسير على المنطق الحسابي البسيط: من اقوى يفرض، ومن اضعف يقبل في جميع الأحوال. ليس هناك "إعتداء" و "حق" و "ظلم" و "كرامة" في قاموس هؤلاء، او انهم يتجاهلوها تماماً حين يتسعرضون مواهبهم الحسابية وذكاؤهم الذي قصر عنه المقاتلون في غزة.
   
   
   لكن الحقيقة ليست كذلك أبداً، فهذا الذكاء ناقص حتى بالقياس البراغماتي الحسابي الأناني! فلو كان الجميع بـ "ذكاء" هؤلاء السادة لتحول العالم إلى شيء مرعب: إلى تربص تام، إلى سباق تسلح ليس السباق الحالي بالنسبة له إلا نكته باهتة. بل لربما لم يلحق الضعيف أن يتسابق. لكان يكفي ان يكون لديك بضعة طائرات أكثر لتفرض نفسك على جارك "البراغماتي" الذي سيحسب أنه سيخسر أكثر منك إن رفض! فتصوروا!
   
   
   أن ما يحفظ العالم أيها السادة، حتى بشكله المأساوي الحالي الذي لا يسر صديق، هو الفارق بين استعداد المظلوم للتضحية واستعداد الظالم للخسارة. هذا ما يسمح لدولتين جارتين أن تعيشان بسلام، حتى أن أختلفت قوتهما. نعم إنه "العدل" وإنها "ألكرامة" و "العزة" مهما كانت هذه الكلمات تثير السخرية لدى البعض.
   
   
   هؤلاء الخاسرين "الحمقى" ايها السادة هم من يجعل الظالم يتردد في ضرب كل من هو أضعف منه، لأنه يعلم أن المقابل لن يحسبها هكذا، ولن يكون "عاقلاً" مستسلماً بل "أحمق" يدافع عن نفسه، ليس بحساب "توازن القوى" وإنما كإنسان له حقوق كاملة. الحساب عند "الأحمق" ان يجعل الأقوى يتردد في الهجوم لأن خسارته ستكون اكثر من أرباحه حتى إن هو قضى على ذلك "ألأحمق" الذي يركب رأسه ويرفض الحساب!
   
   
   نزار- لأطفال غزة:
   
   نحن أهل الحساب
   والجمع
   والطرح
   فخوضوا حروبكم
   واتركونا..
   
   
   هذا "ألأحمق" أيها السادة لم يدافع عن حقه فقط, ولم يخسر حياته أو حريته أو ماله من أجل نفسه فقط بل من أجل العدالة في العالم، حتى إن لم يكن يعي ذلك. فكل دفاع عن الحق، حتى الشخصي منه، دفاع عن الحق العام ودفاع عن العالم العادل، ووقوف بوجه انتشار الظلم واستهتاره في العالم، ومنع انهيار هذا العالم الذي نعيش فيه إلى الغاب الذي لايصلح للعيش الإنساني.
   
   
   كتب "جارلس ديكنز" في "تاريخ انكلترا للأطفال" يفاخر بأن نابليون كان يشتكي أن البريطانيين كان "غير منطقيين" لأنهم "لم يكونوا يريدون أن يحسبوا بأنهم خسروا المعركة عندما يفترض بهم ذلك". لذلك لم يتمكن منهم نابليون
   
   وكما ترون فلم يكن الإنكليز الذين "لايحسبون" "عرباناً" ولا كان "ديكنز" إسلامياً أصولياً "يتاجر بدماء ابنائه"، ولا زال الإنكليز "المتعنترين" يفتخرون به وبأسلافهم، ولا يخجلون من ضعفهم في "الرياضيات" في تلك اللحظات!
   
   
   لكن المسألة لا تقتصر على الحروب والمذابح، فكل المكاسب الإنسانية التي يتمتع بها إنسان اليوم، يعود الفضل فيها لهؤلاء "الحمقى". كان اصحاب المانيوفاكتورات في انكلترا يحتجزون الأطفال اليتامى والمختطفين في معسكرات مغلقة ليعملوا بحدود 16 ساعة في اليوم مقابل طعام بسيط وحياة حيوانية وسخة ليموتوا مبكرين، وكان لكل مانيفاكتورة مقبرة للأطفال! لكننا نعمل اليوم 8 ساعات في اليوم فقط، بفضل بعض "الحمقى"! وبفضل بعض "الحمقى" زال الأسياد والإقطاع والكثير من القبح والوحشية في العالم، فكم إننا أيها السادة، مدينين لهؤلاء "الحـ.."!
   
   
   هذه الضحايا التي لا تجيد "الحساب" هم "حراس العدل" في العالم، والأمل فيه. يدافعون عنه حين يدافعون عن حقهم بلا حساب، فيدافعون عنا دون أن يعلموا. لهم حبنا وإجلالنا وامتناننا...وأيضاً خجلنا! فلو أن كل منا كان مستعداً لبعض "الحماقة" في حساب منافعه، لصار العالم كما نحلم به، ولما كان لهذا الظلم أن ينحر الصغار والكبار على مذبح غزة!
   
   ، فـ .....
   
   يا مجانين غزة
   ألف أهلا
   بالمجانين
   إن هم حررونا..
   إن عصر العقل السياسي
   ولى من زمان
   فعلمونا الجنونا.
   
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .