الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



غزة.. ومحاولات الاحتواء!
بقلم :    د . أسامة عثمان

مع أن الوقت اليوم في غزة من أرواح ودماء، فإننا ما زلنا نشهد أشكالا من التعاطي العربي الرسمي لا يلامس مصيرية اللحظة, ولا يرقى إلى مستوى المطالب التي ينبض بها الشارع العربي والإسلامي, على نحو متصاعد, ومدهش.
   وبدلا من أن تبرهن النظم العربية على حالة من التوحد في المواقف والشعور, راحت تزيد من الهوة بينها وبين الشعوب, ولكنها, وهي تدرك أهمية الرأي العام, وتخشى خطورته, ومآلاته, فإنها لا يسعها إلا محاولة الالتفاف عليه, بوسائل متواضعة, وهامش ضيق. فقد خطت الحكومات العربية خطوة مختصرة, تمثلت في اجتماع وزراء الخارجية العرب, الذي لم يلبث أن رحَّل الأزمة إلى مجلس الأمن, لاتخاذ الخطوات العملية في إقرار ضمني بالعجز العربي عن اتخاذها. وقد شغلت مسألة المصالحة بين حماس والسلطة مساحة كبرى وأولوية واضحة في التوجيه والمعالجة العربية؛ حتى إنها كانت العائق الأكبر عن المضي بأية خطوة جدية ملموسة! فقد صرح وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل:" قائلاً: «لا خير فينا إذا لم نقلها ولا خير في الأشقاء الفلسطينيين إذا لم يسمعوها... هذه المجزرة الرهيبة ما كانت لتقع لو كان الشعب الفلسطيني يقف موحداً خلف قيادة واحدة. ونقول للأشقاء الفلسطينيين إن أمتكم العربية لا تستطيع أن تمد لكم يد العون الحقيقي إذا لم يمد يد الواحد منكم يد المحبة للآخر».
   
   أما السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية فقد مضى في نص توصيفي للوضع العربي, يراوح بين الإحباط والتلويح لإسرائيل بأن العرب قد يقلبون لها ظهر المجن, حين أشار إلى أنها, وهي تقصف غزة بأهداف مدنية, لا تخوض حربا حقيقية, وأنها حين خاضت حروبا حقيقية كان مصيرها الإخفاق, مستدعيا حرب رمضان سنة 1973م.
   
   لكن المسار الذي اتخذه التحرك العربي اقتصر على التوجه إلى مجلس الأمن الذي فشل حتى الآن في استصدار قرار "متوازن" يطالب بوقف إطلاق النار من الطرفين! وهنا يتجدد الحرج العربي, وتضيق الخيارات العملية, مع توقع استمرار الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل في مجلس الأمن, حتى تنهي دولة الاحتلال عملياتها في غزة, أو تشعر بالتورط فيها. فهل يترك العرب "إسرائيل" تستفرد في غزة؟!
   
   الغريب هذه المرة أن دولا عربية تقيم علاقات مع "إسرائيل" لم تغادر مواقفها الاعتيادية منها, ولم تخفض من مستوى العلاقات الديبلوماسية, حتى ولو بسحب السفراء, كما فعلت مصر مثلا, سابقا! وأما السلطة الفلسطينية فقد صدرت منها تصريحات ومواقف أولية على لسان مستشار الرئيس نمر حماد جعلت من حماس شريكة في الجريمة, ثم ما لبثت السلطة تحت الضغط الشعبي أن تراجعت عنها, حين حمّل أبو مازن إسرائيل كامل المسؤولية عما ترتكبه من مجازر في غزة. ولكنها تحاول التحرك في مسارين خارجي, يتمثل في التحركات الديبلوماسية التي يقودها عباس, وأبرزها التوجه إلى مجلس الأمن لإصدار قرار يدعو إلى وقف العدوان, وداخلي يتمثل في الدعوة إلى الوحدة الوطنية.
   
   أما الخارجي فتحيط بنجاحه شكوك كبيرة؛ لما تعلنه الإدارة الأمريكية من ترك الأمر لإسرائيل حتى تنجز أهدافها, أو تعلن حماس رضوخها للشروط الإسرائيلية الأمريكية التي صرح الرئيس مبارك أيضا بمثلها, حين اشترط لفتح معبر رفح عودة السلطة للإشراف عليها, وفق اتفاقية المعبر عام 2005م ما يعني ضمنا عودة السلطة إلى غزة, أو تسليمها الصلاحيات المهمة فيها, ويصبح هذا الموقف مفهوما إذا تذكرنا اللحظة التي توقفت عندها المساعي المصرية للحوار والمصالحة بين حماس والسلطة.
   
   أما الدعوة إلى الوحدة الوطنية التي تركب موجتها السلطة, أو توظفها, فهي محكومة برؤيتها هي, أكثر مما هي مستجيبة لمقتضيات الراهن الفلسطيني, والخطر الماثل؛ إذ من أوضح البدهيات أن يتوحد الفلسطينيون بحسهم الفطري, وشعورهم الجمعي في مواجهة الاحتلال, وعلى قواسم من مقاومته والتصدي له, مع أن الحاصل غير ذلك؛ إذ ما زالت السلطة تمارس دور الكابح لأية انتفاضة ضد الاحتلال في الضفة, وهي الضرورية الآن, أكثر من أي وقت مضى؛ إذ من شأنها أن تسهم في إشغال العدو وتشتيت قدراته, ولها من الأسباب الموضوعية الكثير: احتلال, واستمرار في الاستيطان, واعتقالات, والأهم من هذا انسداد الأفق أمام النهج التفاوضي الذي تتشبث السلطة به حتى النهاية.
   
   إن محاولات الاحتواء المشفوعة بالتضليل والإكراه لن يكتب لها النجاح, وهي تتعامى عن المؤشرات التي لا تخطئها عين؛ فضلا, عن عين خبير, فما زالت الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية تحتكم إلى منطق القوة والفرض, وتطمئن إلى التفوق العسكري, في الوقت الذي تغفل فيه تحولات مهمة يشهدها العالم العربي والإسلامي, تؤشر إلى مقدار الكراهية المتنامي الذي تعكسه المظاهرات المليونية من أقصاه إلى أقصاه, بشعاراتها الدالة على تنامي الرفض لهذا الكيان المحتل الممعن في استفزازه, واستهتاره.
   
   وبالرغم من توصيات أمريكية تتسم بقدر من البراغماتية, وأخرى إسرائيلية حذرت من أن إضعاف حماس, في حال حصوله, يمكن أن يولد حركات أكثر تشددا, فإن إسرائيل المدعومة أمريكيا ما زالت تغلِّب لغة القوة والإرهاب, آملة بكسر الروح المعنوية في الأمة, وفي فلسطين, الأمر الذي يدل على عدم استفادة إسرائيل من الدروس والحروب السابقة التي خاضتها في المنطقة, وهو في الوقت الذي يشي بقدر من اليأس الذي أخذ يتسرب إلى نفوس القادة الصهيونيين, فإنه يدلل أيضا على رؤية سطحية لمقومات القوة الكامنة في الأمة التي إن خمدت حينا فإنها تعود أكثر اتقادا, وأشد أُوارا حين تستشعر خطرا, أو تستيقن تهديدا لمكوناتها ومقدساتها, ومقدراتها, ووجودها.
   
   
   
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .