الرئيسية
 صور لدمار غزة
 صور للغزاة
 ملفات سابقة
 الركن الأخضر











 



فتح المعبر تصفية للقضية وتكريس للانقسام (1ـ2)
بقلم :    مصطفى إنشاصي

قبل أن يفهم أحد موقفي خطأ أو يفسره كما يحلو له؛ أقول:
   أنا لست مع أحد ضد أحد، لست مع السلطة وحكومة رام الله ضد حماس وحكومة غزة. ولا مع حماس وحكومة غزة ضد السلطة وحكومة رام الله. أنا لست مع العملية السياسية والتفاوضية سواء كانت بسقف وجدول زمني محدد وأهداف متفق عليها فلسطينياً بالإجماع، ولا مع المقاومة التي تريد الجمع بين السلطة والمقاومة على طريقة منظمة التحرير سابقاً، وتدخل مع منظمة التحرير في صراع مراثوني على الشرعية يكون وقوده التنافس في تقديم التنازلات للعدو من أجل القبول بشرعيته! أنا لست مع التهدئة التي يعقدها المفاوض الفلسطيني مباشرة مع المحتل لإعطاء فرصة لإنجاح العملية السياسية والمفاوضات التي فشلت طوال 15 سنة على أن تنجب أي اتفاق نحصل من خلاله على كثير أو قليل من حقوقنا الوطنية، حتى وإن لم يترتب عليها التفريط بحقنا في مقاومة المحتل، ولكنها تُضفي شرعية على جرائم العدو ضد أهلنا، ويستفيد منها العدو في استكمال مشاريع اغتصاب وتهويد الضفة الغربية والقدس خاصة. ولا مع التهدئة التي تعقدها المقاومة عبر وسيط بزعم أنها (استراحة محارب)، في الوقت الذي لها من ورائها مآرب أخرى في صراعها الداخلي، وكان الأجدر بها الترفع عن ذلك وترك عقدها لِمَنْ ارتضى التفاوض لأجل التفاوض نهجاً لسياسته! والأهم أنها يترتب عليها التفريط بأهم ثوابتنا النضالية لأنها تقايض حقنا في مقاومة الاحتلال بحقنا على الاحتلال في توفير احتياجاتنا الإنسانية لأننا مازلنا أرض محتلة!
   أنا لست مع المفاوضات على دولة فلسطينية في حدود 1967 وعاصمتها القدس الشريف والتنازل عن باقي الوطن وحقنا في العودة، ولا مع مقاومة تعرض هدنة طويلة الأمد مقابل دولة في حدود 1967، أو في حدود مؤقتة لم تحدد حدودها، لنعلم إن كانت أقل من الحدود المؤقتة للدولة الفلسطينية التي عرضها بوش في حزيران 2002، أو أقل من الحدود المؤقتة المعروضة على السلطة أو أكبر؟! ذلك من أجل الاعتراف بشرعية تمثيلها للجماهير الفلسطينية؟! لأنه هناك وسائل كثيرة يمكن للمقاومة من طرف واحد أن تحصل فيها على (استراحة المحارب) دون مقايضة وتفريط بحقوقنا، أو على هدنة طويلة دون أن تكرر أخطاء تجارب المعاصرين التي خدمت المقاومة في الحصول على تلك النسبة في الانتخابات التشريعية، ودون الدخول في صراع داخلي على الشرعية والتسابق في تقديم التنازلات للعدو في الوقت الذي تتصلب فيه ضد أبناء وطنها، وتتسبب في تصفية القضية المركزية للأمة!.
   أنا مع المقاومة ولا شيء غير المقاومة. المقاومة التي لا تبحث عن سلطة ولا كرسي ولكنها تزهد وهداً حقيقياً في الدنيا ولا تبغي منها إلا إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة. أنا مع المقاومة التي لا تجمد على أسلوب واحد أو بعض الأساليب وتكتيكات حرب العصابات، ولكنها دائماً تسعى لتجديد أساليبها وابتكار وإبداع تكتيكات جديدة تتناسب مع كل مرحلة، وتأخذ في اعتبارها قدر المستطاع سلامة الجماهير والمقاومين على السواء. والأهم من كل ذلك وغيره؛ أني مع المقاومة التي تدرك أن دور المقاومة والجماهير الفلسطينية لا يزيد عن كونها طليعة الأمة ورأس حربتها في مواجهة عدوها المركزي، وأن دورها يجب أن ينصب ويتركز على إبقاء شعلة وجذوة المقاومة مشتعلة في قلب الأمة والوطن لإفشال جميع مشاريع التسوية، ولإبقاء الروح والحياة في الأمة مستمرة، ولتحريك عوامل النهضة والوحدة فيها من خلال فلسطين، إلى أن تتهيأ الأسباب لأن تأخذ الأمة دورها الحقيقي في معركة التحرير، لأن فلسطين هي قضية الأمة، والفلسطينيين وحدهم لن يحرروا فلسطين مهما أتوا من قوة، لذلك من الخطأ الفادح أن تأخذ المقاومة في فلسطين دور الأمة في التحرير. هذه رؤيتي للصراع، وبناء عليها أُحدد المسافة بيني وبين جميع الأطراف ذات العلاقة بفلسطين والمقاومة، ولم أساوم عليها سابقاً ولن أساوم عليها لاحقاً عن شاء الله مهما كلفني ذلك من ثمن.
   مصلحة الوطن تحتاج التجرد
   كما أني لست مع مصر ضد حماس، ولا مع حماس ضد مصر، ولكني مع المصلحة الوطنية، مصلحة الأمة والوطن، مصلحة القضية فقط هي التي تجعلني أتفق أو أختلف مع هذا الطرف أو ذاك بتجرد. وفي هذا الموضوع تحديداً رأي فيه الذي قد لا يُعجب الكثير هو منتهى التجرد من المشاعر والمواقف الشخصية. وليتأكد من يخالفني الرأي من ذلك أقول:
   أنا أحد ضحايا السياسة المصرية وخاصة الأمنية؛ وأني لو عكست تجربتي الشخصية ومازلت أعاني منه من مشاكل من تلك السياسة على موقف مصر في موضوع المعبر، بكل تأكيد سيكون موقفي معارض وناقد للموقف المصري! وحتى لا أطيل أختصر تلك التجربة في كلمات: في عام 1988 أثناء الانتفاضة الأولى قدمت استقالتي من الثورة الفلسطينية وسافرت إلى مصر في مهمة لتنظيم فلسطيني ناشئ وقتها لنقل أني كنت من جيله الأول المؤسس، وهي جمع سلاح وإدخاله إلى فلسطين لدعم الانتفاضة، وقد ضُبطت بعد عام بسبب سوء اختيار ذلك التنظيم لأحد الأشخاص المركزيين في العمل. وكان وقتها أمثالي من جميع الفلسطينيين يسجنون شهرين ثم يتم ترحيلهم، ولكن الأمن المصري أراد أن يُدَفِعني أنا بالتحديد ثمن كل تدخلات ذلك التنظيم في الشأن الداخلي المصري منذ سنوات دراستنا الجامعية في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي إلى تلك اللحظة، علماً أني طوال تلك الفترة لم أكن طرفاً في تلك التدخلات، فقال لي الضابط بعد انتهاء التحقيق: "إحنا قلنا لكم أكثر من مرة العبوا بعيد عن مصر ـ علماً أن هذه المرة لم نلعب في الشأن الداخلي المصري وكانت مهمتي مثل مهمة عشرات ومئات الفلسطينيين قبلي وبعدي ولم يفعلوا بهم ما فعلوه بي ـ ولكنكم لا تسمعوا الكلام، أنا رح ألبك قضية تأخذ فيها خمسة أو سبع سنين على الأقل، حتى أُربي بيك تنظيمك"! وفعلاً حكمت خمس سنوات إضافة إلى ثلاثة شهور اعتقال. أبعدت بعدها بتاريخ 21/11/1994 خارج من مصر، ومنذ ذلك التاريخ على الرغم من أنهم كانوا على علم بحجم التقصير الذي لقيته من ذلك التنظيم الذي أعطيته خيرة سنوات عمري بكل ما فيها من خير أثناء سجني، وما لقيته منه من نكران منقطع النظير بعد خروجي من السجن أيضاً، كما يحدث في كثير من التنظيمات والحركات بعد أن تظهر للعلن، ويطمع أحد قادة أو مؤسسي ذلك التنظيم في الاستفراد بالقرار فيه ويبدأ التخلص من كل مَنْ يرى صعوبة في احتوائه من شركاء معاناة المسيرة الماضية! وعلى الرغم من أنهم يعلمون أنه لم يعد لي علاقة بأي عمل تنظيمي ولا صلة تنظيمية مع أي فصيل فلسطيني أو غير فلسطيني منذ خروجي من السجن، ولم أكتب ضدهم أو ضد أي قطر عربي مهما كان اختلافي معه في الموقف السياسي، وبعد مرور كل تلك السنوات إلا أني مازلت ممنوعاً من دخول مصر، في الوقت الذي سمحت مصر فيه للقيادات وغير القيادات الحالية في ذلك التنظيم وغيره ومِمَنْ هم مثلي بالدخول والخروج إلى ومن مصر!.
   وعندما حاولت العودة إلى أرض الوطن بتاريخ 22/11/2005، منتهزاً فرصة الفراغ الذي حدث على معبر رفح بعد خروج العدو من غزة، وقبل وصول المراقبين الدوليين للإشراف عليه، على الرغم من أنهم سمحوا للكثيرين بالمرور إلا أنهم أعادوني بعد حجزي يومين في مطار القاهرة! ولم تُفلح كل الوساطات التي قام بها مسئولين كبار وأصدقاء في السلطة وفي أحد الفصائل. إلى درجة أنني ناشدت ضابط الأمن في المطار أن يسمح لي على الأقل بدخول مصر يومين لأرى والدتي التي كانت موجود عند أخوالي بمصر آنذاك منذ نحو سنتين لتراني، علماً أنها مازالت إلى الآن تنتظر أن يُسمح لي بزيارتها علها تتحسس ابنها قبل أن يأخذ الله وديعته، وأنا لم أراها منذ عام 1978 سوى أيام عام 1988، ونصف ساعة أثناء السجن عام 1993، وقد بلغت من الكِبر عتيا، ولم تعد ترى ولا تستطيع المسير ولم تعي كثير من الأمور، وعندما أتصل بها لإسماعها صوتي على الأقل تسألني مين أنت؟ وعندما تدرك أني ابنها تسألني: أنت فاضي آجي أشوفك وأقعد معك شوي؟ وبعدها يغيب عقلها ولا تعد تعرفني! وكأني كنت بايع مصر! أكتب هذا حتى لا يقول أحد أني مستفيد من مصر، وليدرك مَنْ يختلف معي في الرأي أنه وإن تقاطع رأي مع رأي الرئيس مبارك فإن ذلك التقاطع لأنه فعلاً هو مصلحة حقيقية لقضية الأمة المركزية.
   كما أني أود التأكيد على أني وإن كنت مع مصر في عدم الاستجابة لمطالب بعض الفلسطينيين والعرب في فتح معبر رفح بالشكل الذي يريدونه، أي أن تسمح بمرور البضائع عبره بما يجعل أهلنا في قطاع غزة يستغنوا عن فتح المحتل اليهودي للمعابر مع غزة، إلا أني في هذه الظروف بالتحديد أرى إن الواجب الوطني والقومي والإسلامي يفرض على مصر فتحه على مدار الساعة، ليس للأفراد فقط بل وللبضائع أيضاً إلى إن ينتهي ذلك العدوان الهمجي ضد أهلنا في غزة. (وأنا أراجع المقال يوم 31/12/2008 في حديث للدكتور السفير عبد الأشعل حول المعبر مع قناة الجزيرة قال: أن مصر ليست ملزمة طبقاً لاتفاقية جنيف الرابعة بإغلاق معبر رفح، وبناء على المادتين (78 ـ 123) من الاتفاقية عليها أن تنقذ غزة من هذه الكارثة). أما بعد انتهاء تلك الحرب ليبقَ المعبر مفتوحاً لحركة الأفراد فقط بغض النظر عن استمرار الاتفاق أو الاختلاف بين السلطة وحماس. لأن موقفي كان ومازال: أنه كان على مصر بعد الانقسام بين الضفة وغزة أن توجد آلية ما لاستمرار فتح المعبر أمام الأفراد وعدم إغلاقه لأي سبب كان.
   الموقف المصري صواب
   قد يُدهش البعض من تقاطع موقفي مع موقف مصر في رفضها فتح معبر رفح أمام البضائع في غير فترات العدوان على غزة، ذلك الموقف الذي أعلنه الرئيس مبارك (يوم الثلاثاء 30-11-2008) وخلاصته: أن بلاده لن تفتح معبر رفح في غياب السلطة الفلسطينية ومراقبي الاتحاد الأوروبي وبالمخالفة لاتفاق العام 2005". ومبرر الموقف المصري أن الضفة وغزة أراضي محتلة. كما أن مصر لن نساهم في تكريس الانقسام (بين حماس والسلطة الفلسطينية) بفتح معبر رفح. وشدد مبارك على أن مصر ترفض الانسياق وراء (المخطط الإسرائيلي) الرامي لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية.
   بداية أسجل تحفظي على اتفاق 2005! ولكن المهم في الموقف المصري هو أنه يُعيد التأكيد على أن غزة أرضٍ محتلة بعد أن أوهمنا أنفسنا والعالم بأنها تحررت. ذلك هو الوضع القانوني الصحيح لغزة الذي كان يجب على الإخوة في حماس الحفاظ عليه وعدم التوقيع على اتفاق التهدئة حتى ولو ضحوا بالسلطة! لأنه لم يقتصر على تهدئة لأجل التهدئة أو مجانية بدون مقابل كما يسطح الأمر الإعلاميين أو المحللين السياسيين، ولكنه كان تهدئة مجانية مضافاً إليها التفريط بحقنا في المقاومة ضد المحتل، ومقايضته بحقنا على المحتل في توفير احتياجاتنا كأرض محتلة! وذلك هو الفارق المهم والخطير بين التهدئة التي كانت توقعها السلطة مع المحتل اليهودي، التي كانت لإعطاء فرصة للمفاوضات السياسية علها تحقق أي تقدم إيجابي، أو من أجل عدم إظهار أن العدو خرج من غزة تحت إطلاق النار، كما حدث بالموافقة على التهدئة في تفاهمات القاهرة 2005! ولم يتم فيها مقايضة حق لنا على المحتل (توفير الغذاء) بحق لنا ضد المحتل (المقاومة).
   وأهمية الموقف المصري بإصراره على عدم فتح المعبر وإصراره على أن غزة أرض محتلة مثلها مثل الضفة الغربية، أنه يستعيد حقوقنا التي فرط فيها اتفاق التهدئة! من عودة مسئولية توفير جميع الاحتياجات الإنسانية لسكان غزة على الاحتلال وليس على مصر. وحقنا في المقاومة كشعب محتل. وفتح المعبر مع مصر للبضائع سيُثَبِت مصادرة التهدئة لحقينا في المقاومة ضد المحتل وواجب توفيره لاحتياجاتنا، وسيظهرنا أمام العالم بأن غزة دولة مستقلة وذلك ما خطط له شارون في خطة فك الارتباط مع غزة، كما سيأتي، وإذا كنا ونحن في نظر القانون الدولي والعالم يعترف بنا أرض محتلة استطاع العدو إقناع كثير من دول العالم أن مقاومتنا (إرهاب)، وحاصرنا ومنعنا حقنا عليه في توفير الغذاء لنا، فهل سنستطيع إقناع العالم بتلك الحقوق عندما نصبح في نظره ونظر القانون الدولي أن غزة دولة مستقلة؟!
   كما أن ما قاله الرئيس مبارك: لن نساهم في تكريس الانقسام (بين حماس والسلطة الفلسطينية) بفتح معبر رفح. وتشديده على أن مصر ترفض الانسياق وراء (المخطط الإسرائيلي) الرامي لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية. موقف صحيح مئة في المئة بعيداً عن العاطفة وتصفية الحسابات أو محاولة تحقيق مكاسب حزبية أو قطرية على حساب هذا الموقف الذي يحرص على المصلحة الوطنية الفلسطينية وعدم تصفية القضية المركزية للأمة. لأنه إذا كان الإخوة في حماس على الرغم من كل الأضرار التي سببها الحصار والانقسام بين الضفة وغزة للجماهير الفلسطينية، لم يستجيبوا لدعوات المصالحة، وخاصة الدعوة التي وجهها الرئيس الفلسطيني محمود عباس للحوار في الذكرى السنوية لأحداث غزة 2007، وجاءت لأول مرة بدون شروط مسبقة، وأن تتصالح معه حتى وإن تخلت عن الحكومة من أجل الحفاظ على حقنا في المقاومة بعيداً عن المساومات عليه مع العدو اليهودي، بدأت حملة تشكيك في صدق تلك الدعوة ودوافعها، وفي خط موازٍ بدأت لأول مرة منذ مرور سنة على أحداث غزة بتحويل مقار السلطة إلى مقار لحماس والحكومة في غزة! وبعد أربعة أيام تقريباً من الدعوة وقعت اتفاق التهدئة بشروطه المجحفة، واعتبرته انتصار عظيم لأنه يعني اعتراف غير مباشر من الكيان اليهودي بحماس، وكأنه ليس اعتراف غير مباشر بالمقابل من حماس بذلك الكيان؟! وبدأت خطوات عملية لتكريس فصل غزة عن الضفة، والتي كان آخرها عزمها على إعلان الدكتور أحمد بحر نائب رئيس المجلس التشريعي المعتقل لدى اليهود رئيساً للسلطة الفلسطينية، ولا نعلم إذا مازال هذا الخيار قائماً بعد هذه الحرب الهمجية على غزة أم لا؟! ولا أعلم إن كانت فشلت المفاوضات بين حماس وفتح منذ عام 1988 إلى الآن على الاتفاق على برنامج مشترك يفض الصراع بينهما، فهل سينجح الدكتور أحمد بحر خلال ثلاثة شهور أقصى حد له في شغل منصب الرئيس كما ينص الدستور الفلسطيني قادر على حل الخلافات التي تجذرت وتكرست، وهل سيستطيع إجراء انتخابات رئاسية جديدة في ظل حالة الانقسام بين الضفة وغزة وانتخاب رئيس جديد أو أنه سيبقى إلى ما شاء الله في ذلك المنصب، أو أنه سيجري انتخابات في غزة فقط؟! علماً أن الدكتور بحر لا يملك عصا سحرية!.
   وإذا كان الإخوة في حماس على الرغم من هذه الحرب المدمرة التي لو تعرضت لأقل منها أي ثورة أو أمة منقسمة فأنها كفيلة بإزالة جميع الخلافات ووحدة الصف ولو مؤقتاً لمواجهتها، ولحماس مثل وقدوة للموقف الحكيم الذي تعامل فيه حزب الله مع الحكومة التي كانت تخطط مع جهات عربية وغربية لاجتثاثه من الوجود، وكيف خفف من خطابه السياسي ضدها ونسق معها إلى أن تم توقيع قرار مجلس الأمن (1701)، الذي أمن به العدو اليهودي جبهته الشمالية لفترة بتجميد المقاومة بلبنان نشاطها في الجنوب اللبناني، وها هو حزب الله ملتزم به ولا يفكر في خرقه لتخفيف الضغط على أهلنا المحاصرين ويموتون بالحصار والأسلحة الهمجية اليهودية في غزة؟! إذا كانوا على الرغم من الحصار رفضوا المصالحة ووقعوا تهدئة مجحفة، وعلى الرغم من الحرب المدمرة التي قد تؤدي إلى تثبيت التهدئة بنفس الشروط التي تصادر حقوقنا على العدو يرفضون المصالحة، فهل بعد أن تفتح مصر معبر رفح كما تريد حماس وبعض الأنظمة العربية للبضائع وتستغني حماس عن حاجتها لفتح المعابر مع العدو لتوفير احتياجات سكان غزة الإنسانية؛ ستتواضع شروط حماس من أجل إنجاح المصالحة الفلسطينية وإعادة الوحدة لشطري الوطن؟!
   إن ذلك فعلاً سيكرس الانقسام كما ترى مصر وكما خطط العدو لذلك. إلا إذا كانت حماس تراهن على عامل الوقت لتحقيق الوحدة الوهمية بين شطري الوطن، تلك الوحدة التي تخطط لها بين الضفة وغزة وأعلن عنها أكثر من قيادي، وكان شعار احتفالهم بالذكرى الحادية والعشرون لانطلاقة حماس (غزة وضفة وحدة وعزة .. يا ضفة إنا قادمون)؟! ولا أعلم كيف ستتحقق الوحدة بين شطري الوطن المنفصل جغرافياً، وكيف يمكن أن تدير شئون الضفة وغزة المحتلتين التي يعيث فيها العدو اغتصاباً للأرض وقتلاً وتدميراً تهويداً، وفي ليلة واحدة اعتقلت عام 2006 حوالي أربعين نائب من نواب المجلس التشريعي لحماس وشلت عمل المجلس. وهي لم تستطيع تسيير أوضاع غزة بشكل طبيعي بعد حزيران 2007، واضطرت من أجل ذلك أن توقع تلك التهدئة بشروطها الظالمة لنا، والآن يحاول العدو تثبيت مكاسبه منها كحق مكتسب له بحربه الجهنمية على غزة؟!.
   نعم ذلك ما يجب على الإخوة في حماس إدراكه، وأن يقفوا معه وقفة إخلاص بعيداً عن الحزازات الفصائلية والصراع على السلطة، وأنه من الخير للقضية أن يلبوا دعوة الرئيس عباس للحوار والمصالحة ومواجهة العدوان، ويستفيدوا منها في تصحيح الخطأ الذي حدث من كليهما في السنوات الماضية، وألا يحكموا عليها كالدعوة السابقة قبل أن تتبين حقيقة نواياه إن كان صادقاً أو لا!.
   


 

جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .